
في يوم الاربعاء من شهر ربيع الأول بتاريخ 1440/3/2 ذهبت لزيارة أبي في مستشفى الحرس الوطني بجدة وقد كان يمكث فيها منذو أربع شهور لسوء حالته الصحية ،وفي هذا الاسبوع ذهبت لزيارته الاحد كذلك وكان صباحاً ،لاحظت انه يشتكي من الم في جميع اجزاء جسمه وكان شبه نائم كل مافعلته قرأت عليه قليلاً وغطيته باللحاف اكثر وبهذا الاسبوع لا اعلم مابي ، كنت بكل ليله قبل النوم اقلب في فيديوهاتنا معاً اضحك عليها مع زوجي واقص عليه كيف كان أبي ، اتأمل صوره بحب ولا أعلم انني اودعه .
ذهبت لزيارته وأنا لم أنم لمدة اربع وعشرين ساعه واكثر من ذلك ،كان زوجي يستغرب من إصراري على زيارته قبل وقت الزيارة كانت الساعه الرابعه ولم يدخلني حارس الأمن رغم محاولتي الفاشلة ،انتظرنا بالسيارة احسب الدقائق والثواني وكيف مرت عليا ثقيلة مملة ،وماأصعب الانتظار كنت أشعر ان الساعه تتحرك بداخلي وتسبب الم رهيب بداخل قلبي ،وها قد حلت الخامسة عصراً.
أسابق خطواتي في ممرات المشفى الكبيرة وزوجي يناديني من خلفي لاأخفف سرعتي ولكن لا أستطيع وأشعر ان قلبي الذي يمشي سريعاً وليس قدمي ،دخلت على أبي ووجدت أخي برفقته ،كان ممددعلى ذالك السرير الابيض وقد رفعته الممرضة قليلاً من عند راسه كأنه شبه جالس مرتدياً ثوب المشفى الأزرق الذي يكرهه كثيراً.
ناديته أبويا هذا أنا جئت لك ،ألتفت عليا ببطء ونظر بعينيه قليلاً لمدة دقيقه وكانت تلك النظرةالأخيرة وداخلي يشعر بذلك ولكن قلبي لايستوعب ،نظره مودع حزينة وكأنه يودعني ويحفظ وجهي لآخر مرة ، أكاد لا أصدق ،ثم اصبحت عينيه تطالع بالأعلى وانا اناديه أبويا ياابويا رد عليا ولكن لايجيب ،سألت أخي ماذا به أبي ؟ ولم يجيبني وخرج من الغرفة ولم يلتفت حتى الي ولا رأيت عينيه خرج مسرعاً ، وقفت أمام سريره عند قدميه وأنا اناديه يابوي هذا هاني ولكن لا يلتفت ونظراته بسقف الغرفه فقط ،ياأبي هذا جوالك معي ولكن لايلتفت .
أعلم بداخلي انه يحتضر ولكن لا أستوعب ذلك وكأن الاباء لايموتون ، ارفع يدي واناديه هل تريد حليب او ماء ولكن لايجيبني ولا يلتفت الي،اقتربت منه اكثر امسك بيديه وآرى ان جميع الاجهزة التي كانت موصوله بها قد سحبت أدركت أكثر انه يحتضر وقد كانوا ينتظرون أن يتوقف قلبه الكبير ،ويعلنون ساعة وفاته ، سحبت لحافه واذا بااقدمه بارده كالثلج ممدودة ولاحظت ان طولها قد زاد ، ومن غير تفكير أخرج الكريم من حقيبتي وأخذت أدهنها به ، لانه بكل زيارة يطلب مني ان اضع الكريم ليديه وقدميه ثم امسح على لحيته البيضاء بدهن العود الكمبودي .
كان يحب رائحة العطور كثيراً ،ثم غطيت اقدامه الباردة بأحكام وكأنني لا أريده ان يذهب بعيداً عني أو خائفة عليه من البرد ولا ادري لماذا ، امسكت يديه واذا بها باردة اكثر من قدميه ،وضعت لها الكريم واتأمل بها واقلبها لآخر مرة ثم اغطيها باللحاف ،وانا دموعي تتساقط بغزارة من غير صوت ،على يديه ولحافه وهو لايشعر بذلك وعيناه غارقه في سقف الغرفه .
اقتربت منه اكثر وقفت عند رأسه اقبلها كثيرا وقد بللت دموعي رأسه واخذت تتساقط على حواجبه الكثيفة السوداء وقد ورثت حاجبي منه، ولا يحرك ابي ساكناً ، مددت يدي وفتحت قارورة الماء وسقيته منها ولاحظت ان الماء لايدخل بفمه وانا اتمزق من البكاء ثم مسحت على شفتيه بالماء وأطبق فمه ولم يفتحه بعد ذالك ،أخرجت الدهن من حقيبتي وانا لا اعلم ماذا اشعر بهذا الوقت ، وضعته على لحيته البيضاء بيدي ثم وضعت منه على جبينه الابيض وقد لاحظت ان بشرته اصبحت بيضاء مشدودة وهو حنطي اللون وحاجبه كثير السواد .
مازالت تتساقط دموعي على وجهه الطاهر وبقايا رائحة دهن العود بيدي وانا امسح بها على جميع اجزاء راسه واتأمل حاجبه وكيف لدموعي انا تمر علىيها ثم تلامس خده وهو لايتحرك ولايشعر بذالك واصيح بصوت اعلى ، يابوي كيف تروح وتتركني لوحدي ؟من يبقالي ؟يابوي كلمني ؟ اشفيك ، وماذا اصابك ؟ انا موضي حبيبه قلبك رد عليا .
اعتذر لا استطيع اكمل تدويني عن ذالك اليوم وتعبت عيناي من البكاء لدرجه لا استطيع انا ارى مااكتب ولكن بيوم آخر سآكمل .
