
الجزء الثالث عشر :
مازلت نوبات هذا الإعصار تهاجمني بشراسة ولاترحمني وفي لحظات غير متوقعة ومن غير أسباب واضحة مثل أصحو من نومي بنوبة شديدة ، أو احيانا اثناء مشاهدتي للتلفاز وانا جالسة براحة وهدوء ، وأحياناً وأنا أتجهز للخروج لأي مكان كان وأستسلم لها ، وارجع لعزلتي وصمتي لكم يوم الى أن أشعر بتحسن وارجع لحياتي الطبيعية وهكذا كانت تمر أيام حياتي طول السنة الى أن أعتاد جميع من في البيت على وضعي الجديد ووالدي ممكن تقبلا وضعي وأنا مازلت رافضته تماماً حتى لو كان جزء مني والجميع يطلب مني الأعتياد عليه ، كيف اعتاد على شيء لا أرغبه ؟ كيف أعتاد على زيارة ضيف ثقيل على قلبي يقضي عندي أيام ؟ ولايخرج من عندي الا بعد أن يستهلك كل طاقتي ، أنا أعتدت على لحظات وتقبلتها بعض الشيء وفهمت انه من الطبيعي أن يمر على الأنسان أيام لايكون مزاجه رايق ولاطاقه لديه للتحمل يترك كل مابيديه خلفه ويرتاح لأيام الى أن يستجمع نفسه من جديد ويرجع بطاقه عالية ونفسيه مرتاحة وأقبال على الحياة أكثر ، ولكن ليس بعارض صحي مستمر بي ليته كان مثل الانفلونزا مثلا، لاتطلبون مني تقبله وأنتم لم تشعروا بما أشعر ابداً.
أه ياربي كم هو صعب وأنا أكتب هذه الحروف وربما تمر عليك مرور الكرام ولكن رجوعي للخلف سنوات يجعلني أتآلم وأفتكر أوقات أنا تناسيتها تماماً وأعتبرتها رحلة مرت وأنتهت وإن مازال بي بعض آثارها ، أصبح هذا الأعصار يزروني اكثر من مرة في الشهر وساءت نفسيتي أكثر من قبل وأشعر أن روحي منهكة من التحمل وداخلي أنين لايعلم فيه غير الله ، كرهت كل ماحولي ، أمتنعت عن الحديث مع أحد ، أصبحت لا أتقبل الطعام ولا الشراب ونزل وزني كثيراً حقيقي أنا نحيفة لكن صرت أنحف وعظامي بارزة وعيوني غائرة ذابلة ورسمت تحتها دموعي خطوطاً لكثرة بكائي ، ورجعت للتشتت ويوماً عن يوم أذبل أكثر الى أن جاء يوم كنت أبحث عن دواء أفضل لحالتي ووقعت عيني في الانستقرام على معالجة خارج مدينتي تبعد حوالي ساعتين ، قرأت في صفحتها وتفحصتها جيداً بعد ذلك تواصلت معها وحددت موعداً للذهاب ، كنت بنفسي اقول مو صدفة هذه أشارة من ربي لاني كنت ابحث عن دواء يشفيني ، وأنا شخصية موقنه ان رسائل الله تأتينا على هيئة آيه نتوقف عندها أو عن طريق شخص يدخل في حياتنا أو تآتي عيني على كلمة في كتاب ما أو حوار مع صديق والكثير من الأمثلة ، أخبرت أبي بالموضوع قال لا مشكلة ولكن مشوار ساعتين مع السائق لوحدكما صعب وأنا أخاف عليكم أذهبي مع احدى اشقائك الاربعة ، ولانهم مشغولين بعض الشيء تواصلت مع شقيقي الأصغر ووافق .
كان يوم ثلاثاء في الساعة الثالثة مساء ذهبت معي شقيقتي اخصائية التغذية ومسافة ساعتين طويلة على شخص يتألم ويومها سبحان الله زاد الاعصار حدته بنصفي الأيمن بلى شفقة مما جعل دموعي تتساقط وأنا صامته لم أعد قادرة على البكاء حتى ، البكاء يزيد من وجعي أكثر بقيت صامته طول الطريق الى أن وصلنا عندها تقريباً الخامسة او الخامسة والنصف ، كان الجو بهذيك المدينة يميل البرودة والسماء ملبدة بالغيوم وقتها رفعت رأسي الى السماء وأنا اردد بداخلي يارب كُن معي ، يامن رفعت السموات السبع بلى أعمدة أنزل شفائي على يدها يارب وقلت لأختي ستمطر قريباً ، فتحت الباب دخلنا الى ممر ضيق في آخره تقف أمرأة شابة في مقتبل العمر تسجل الحجوزات وترتب المواعيد أقتربنا منها وأخبرتها شقيقتي بوضعي وأعطتنا رقم لا أذكر الآن كم كان ، أذكر انني قلت لها نحن من خارج هذه المدينة ونريد الخروج من عندها قبل صلاة العشاء الطريق طويل أمامنا ، ألتفت وقالت : إن شاء الله قبلها تكونوا خرجتوا .
عرفت منها بعد ذلك ان موظفة الاستقبال كانت أبنتها ، أشارت بيدها اليسار أن هذه غرفة الانتظار دخلنا واذا بي في حجرة واسعة لايوجد بها غير صف كراسي طويل ممتد حول جدرانها الاربعة قد جلسنا به سيدات ينتظرن دورهم في الدخول وسجادة وسط في منتصفها وقت أذان المغرب قمنا للصلاة عليها بالدور ، اتأمل ملامحهم المخفيه خلف عباية ونقاب أسود لا أرى به غير أعينهن البائسة واليائسة الشاردة تبحث عن أمل صغير تتعلق به وجميعهم يجدونه في الله ثم في التداوي على يد هذه المعالجة ، رجعت للخلف وضعت رأسي على الجدار وأغمضت عيني من الألم وأسمع السيدة التي بجانب شقيقتي تسألها عن وضعي وهيا تخبرها ، آه ياالله كانت لحظات مريرة جداً وأنا اتنقل هنا وهناك لأجل العافية فقط لحظتها لم أتمنى عودتي لحياتي السابقة ، لا تمنيت التعافي ليس خارجياً وانما حتى داخلياً داخلي وقتها لم يعد يتحمل صبري بل أحتاج داخل مساحته أوسع لأدخل به صبراً جديداً عميقاً يصل الى أبعد نقطة في جسدي ويبث فيها الحياة والمقاومة والنهوض من جديد ، ولم أعد قادرة حتى على الطبطبة على نفسي وتهوين الأمور تعبت والله تعبت بحجم هذة الكلمة وأكثر تعبت بحجم السماء وهذه الأرض التي مازلت أقف عليها والسير بها وكأنني أجر خلفي أثقال وأثقال ترجعني للخلف وأنا اشد جسدي المنهك للسير الى الامام وأن صعب المسير وقتها .
الحمدلله على مامضى .
للقصة بقية في الغد لنا لقاء بإذن الله .
