إعصار في رأسي

الجزء الثاني والعشرون

بعد شهرين وثلاثة أيام من زواجي أنتقل الى رحمة الله والدي الحبيب وأغمض عينيه للأبد ، لا أعلم كيف تحملت هذه الفاجعة ولكن مؤمنه ان الله اذا انزل المصيبة على شخص أنزل معه اللطف ، في ذلك الأسبوع ذهبت اليه مرتين الأحد صباحاً وكان شبه نايم لم يقل لي الكثير غير غطيني باللحاف لم يكن كعادته ، سألته هل تريد جوالك وكان قد تركه معي قال : لا ،سألته هل تريد أن اضع لك دهن العود قليلاً أو اضع المرطب ليديك وكانا اكثر حاجتين يطلب منا في زيارته لحرصه على التطيب دائماً وفي كل أوقاته قال : لا ، قلت بنفسي ماهي عادته ابدا يستقبلني هكذا ثم تمتم وكأنه يقول انا اليوم تعبان ، جلست عند رأسه قليلاً اقرأ ماجاء في بالي من سور وأدعي له ويدي تمسح برفق على رأسه وجبينه الى أن استغرق في النوم ثم خرجت .

خرجت من عنده بهدوء وأنا لست على مايرام ورأسي يؤلمني وتتساقط الدموع من عيني بلى صوت وزوجي يقول لماذا تبكين لم يكن به شيء لكنه كان نائم ، لم أرد عليه مشيت بصعوبة الى ان وصلت الى السيارة ، في نفس هذا الأسبوع كنت كل ليلة قبل نومي اقلب في جوالي وافتح فيديو لنا سوياً معه واسمع صوته ولا أنام الا بعد أن احكي زوجي عن قصه من قصصه او اخبره كيف كان وعلى تلك القصة أنام ، كل ليلة أفعل نفس الشيء وكأنني أودعه ، الى أن زرته مرة آخرى الاربعاء مساء وخرجت من الساعة الرابعه عصرًا والزيارة لاتبدا الا في الخامسة ، كان يقول زوجي بدري الآن لن يدخلونا قلت له يمكن نجد واحد طيب يدخلنا ، وصلت في الرابعة والنصف وفعلاً لم يدخلنا حتى جاءت الخامسة تماماً.

رغم انني أخبرته قائلة : أبي منذو اربع شهور منوم عندكم وأنا ازوره دائماً لدرجة توسلت اليه ولكن لم يدخلني ، حلت الخامسة وأنا امشي سريعاً أسابق زوجي في المشي وأشعر أن هناك خطباً ما في أبي وقلبي لايكذب ابداً ، كان ينبض بسرعة وأحساسي كلما أقتربت من الغرفة التي بها والدي ليس جيداً ابداً لدرجة شعرت بالخوف من أن يكن أصابه مكروه وأنا تلك الفتاة التي منذو دخول والدها الى المستشفى تدعي وتقول : يا الله ان حل بأبي مكروه كن معي فليس لي آحداً غيرك يالله لاتتركني وحدي حتى أهلي لايستطيعوا أن يفعلو لي شيء في تلك اللحظة ، يارب كُن معي خفف تلك الصدمه على قلبي أن فقدته ، يالله لو فقدته لا أعرف ماذا سيحصل لي من شدة تعلقي به أنزل على قلبي اللطف والصبر ، يالله أشفيه شفاء لايغادر سقماً ، لمدة أربع شهور وأنا أدعي تلك الأدعية ودموعي لاتتوقف ومن شدة حُبي له لم أقوى على قول يالله أن مات أبي .

أشعر أنني كنت اطير في تلك الممرات التي أقطعها وصولاً الى غرفته وليس أسير وكلما أقتربت زاد خوفي ، وصلت الى غرفته وجدت شقيقي الأوسط جالس على كرسي بجانبه وأبي ممدداً على ذلك السرير الأبيض وظهره مرفوع قليلاً ، سلمت قائلة :السلام عليكم يابوي أنا جيت وكنت أبتسم ، ألتفت ألي التفاته واحدة براسه ونظر الي وعلى ثغره أبتسامه خفيفه ثم رجع برأسه وعينيه الى الأعلى ، أقتربت منه وقفت عند رأسه وقلت لشقيقي : أبوي أشبه ليه مايكلمني ، لم يجيبني وخرج خارج الغرفة ، مازلت واقفه عند رأسه أكلمه ، يابوي أشبك ليه ماترد علي ، وهو لايتحرك ابداً وعينيه محلقه في الأعلى ، مسكت يديه واذا بجهاز التنفس والقلب والمغذيات كلهم مفصولين ، عرفت حينها أن أبي سيتركني هذا اليوم ولكن لم أصدق ، دموعي تتساقط على جبينه ويدي تمسح على رأسه وهو لايشعر بي ، وقفت أمام السرير عند قدميه وأناديه : يابوي تبغى اشربك الحليب ، وارفع حليب السعوديه بيديه ودموعي لاتتوقف وهو لايرمش حتى ، تركت الحليب ورفعت الجوال أمامه قائله : تبغى جوالك ولكن لايجيب ، بكيت كالمجنونة التي فقدت عقلها هنا خرج زوجي وذهب الى شقيقي خارج الغرفة ، وأنا كنت كشخص متيقن انه سيفارقني اليوم ولكن أكذب جميع ما أرى أمامي من علامات أحتضار كنت قرأت عنها يوماً ورأيت بعضها لحظة وفاة ولد شقيقتي الكبرى رحمه الله في نفس هذه المستشفى وكنت وقتها أنكر كلام الاطباء واقول سيعيش .

لا أعرف ماذا أفعل أخرجت المرطب من حقيبتي ووضعته على يديه ودموعي تتساقط عليها بجنون ، ثم رفعت اللحاف ووضعت منه على أقدامه ودهنته وداخلي يتمزق من البكاء وعيني من كثر الدموع لا أرى بها جيداً ، ثم غطيته باللحاف وأنا أقول يابوي لاتروح أنا مالي أحد غيرك ومازلت أبكي مثل المجنونة وقفت عند رأسه ووضعت يدي عليها وأنا أعلم انها آخر لمسه له ولكن مازلت مصرة أنه سيعيش ، أصبح جسد أبي بارداً جدا وأنا كالمجنونة اضع عليه لحاف آخر لكي لايبرد ، حاجباه الكثيفين أصبحت سوداء واختفى الشعر الابيض بهما وأنا احرك أصابعي عليها لآخر مرة وقد غرق وجهه من دموعي ، وجهه الذي أصبح أبيض جداً قد تبلل من دموعي ولكنه لايشعر بي ، لم أقف بلى حراك أخرجت دهن العود الذي يحبه ووضعت منه على رأسه وجبينه وأنا أقبلها لآخر مرة ، ومن جنوني وضعت القليل منه تحت أنفه لعله يكلمني يزعق فيني أو يلتفت الي ولكن لاجدوى ، ثم فتحت قارورة ماء قائله : هل تريد ماء يا أبي ولم أنتظر أن يجيبني وضعت الماء بالقرب من فمه لكن لم يستطع الشرب وأنا أرفع صوتي بالبكاء اكثر ، ثم صبيت قليلاً من الماء بيدي مسحت على شفتيه ، لحظتها أطبقهما أبي ، ثم غسلت وجهه بالباقي في يدي ، ومازلت عند رأسه أتوسل اليه ليكلمني ولو كلمة واحدة وقتها أذكر سمعت أذان صلاة المغرب ، دخل زوجي ينظر الي وأنا واقفه مرة عند رأسه أقبلها ومرة عند يديه ومرة اقف أمام السرير لعله يراني ولكن لا مجيب .

بكيت بجنون وبحرقة أظلمت الدنيا أمامي وأظلمت عيناي من كثر الدموع والأعصار بدأ يتسلل الى نصفي الأيمن ولكن لم أستطع الذهاب ، ولم يستطع زوجي أو شقيقي إخراجي حول سريره أدور مثل التائهة التي فقدت أهلها أو الأم التي أختفى أبنها ، أصيح بأعلى صوتي ومازلت مصرة أن أسمع صوته وقلبي يخبرني أنها لحظاته الآخيرة يابنت كوني أقوى ، وضعت رأسي على رأسه وأحتضنته بيدي وتمنيت لو آخذ من صحتي وعافيتي بس يرجع نفس ماكان ، تمنيت للحظة أن يستيقظ من تلك الحالة ويعود الى وعيه ، تمنيت لو يشتمني ولكن أريد أسمع صوته لآخر مرة ، دموعي قد بللت وجهه ويديه وهو ساكن لايتحرك ، لحظتها جاء لزيارته أثنين من أخواتي

ومنذو دخولهم وهم يبكون ولم يلتفت ولا نظر إليهم ابدا ، كانت نظرته الإخيره الي فقط ، وقفت عند قدميه وأختي تناديه ولكن لامجيب ، عند وقوفي الى قدميه كنت مقابله لوجهه وعيناه الى الاعلى اذا بي أسمع صوت وكإنه أنين خفيف وأنا ابكي واطلب منه يكلمني ، نظرت الي أختي قائلة : ترا أبوي جالس يحتضر وروحه تريد الخروج ولكن لاتخرج وانت موجودة أمامه ثم خرجت تنادي زوجي ليخرجني بالقوة وقتها سمعت النداء الآخير يخبرنا الى وقت الزيارة أنتهى وعلى الزوار جميعاً الخروج .

الحمدلله على مامضى .

أعتذر منك عزيزي القارئ لو حروفي ستحزنك ولكن كنت أكتب بقلبي ودموعي لاتتوقف .. أنتظرني للقصة بقية وفي الغد لنا لقاء بإذن الله ….

نُشر بواسطة مدونة موضي ✨

بكالوريوس تربية أسرية جامعة ام القرى مصممة ازياء ومستشارة مظهر -دبلوم وممارس اللايف كوتشينج باعتماد المعهد الأمريكي للتنمية وأكاديمية الشرق الأوسط للتدريب والتطوير لايف كوتش معتمد من الاتحاد البريطاني -مدرب معتمد كاتبة و مدونة /قارئة طالبة قرآن مشرفة حلقات قرآنية عن بعد✨ اللهم اجعلني جميلة الأثر 🤍

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ