
الجزء الرابع والعشرون
في تلك الليلة الطويلة تمزقت ألم مع مرور كل دقيقة بل ونزفت أكثر وكأن هناك سكاكين تطعن بقلبي الصغير وتدميه ، وبنفس الوقت هناك قوة أو يد ثانيه تبث الحياة في هذا القلب من جديد هكذا كنت أشعر لأن الله معي ، حاولت أن أغمض عيني قليلاً لكي يهدأ الألم ولكن كانت تأبى ،مرة أستلقي على السرير ومرة أدور في المنزل أبحث عن شيء ما لا أعلم ماهو ، يالله هذا الشعور الداخلي بإن أبي سيموت قتلني وانا مازلت واقفة صامدة ، ان أخبرتك بماذا كنت أفكر أنا حتى لا أعلم لكن عقلي كان مشغول وفي صراع ومنتظر خبر لم أتخيل طول عمري أنتظاره ، حلت الساعة الثانية والثالثة وأنا مازلت أصب على رأسي ماء بارد ليخفف من تدفق الدم داخل شراييني ، شراييني الغاضبة مني فقد حملتها اليوم فوق طاقتها ، صليت الوتر وأنا أبكي بحرقة رافعه يدي الى السماء واردد دعاء واحد خفف على أبي سكرات الموت وكُن معي يالله ، ومرات يهدني البكاء ولا أستطيع اكمال هذه الدعوة التي أدعيها بصعوبة ولاول مرة متيقنة بحدوث خطباً ما في أبي .
أستلقيت على سريري وأنا أحظن مخدتي وقد تعبت من البكاء أصبحت دموعي تتساقط من غير صوت ، كانت اطول ليلة في حياتي واسوء كابوس مر علي بها ، أغلقت جوالي وكأنني لا أريد سماع هذا الخبر ووضعته جانباً وكأن اذا أغلقته أبي لن يموت يا لضعفي وقلة حيلتي ، رجع زوجي من الدوام وأستغربت رجع مبكرا كانت الرابعة فجراً عندما سألته رأيت وجهه واذا بي أرى ماكنت أخشاه ، وأنا ماهرة في قراءه تعابير وملامح من أحب وأحياناً غيرهم لكثرة قراءتي عن حركات الجسد ، سألني ألم تنامي ؟ أشرت برأسي فقط وسكت برهة لا يعلم أنني كنت أعرف وأنا أنتظر سماعه الليلة ، جلس أمامي على طرف السرير ينظر إلي بغرابة ، قلت بهدوء وبصوت منخفض أبوي مات وكأنني كنت أخشى ان رفعت صوتي سيموت ، قال : أبوك مات عظم الله أجرك .
دموعي تتساقط وأنا أصرخ وأرفسه بقدمي انت كاذب أبي لن يموت وهو يقول قولي لا اله الا الله ، قلت له اتصل بشقيقتي التي تسكن في مدينة بعيدة ولاتعلم ولكن لا أعرف ماذا أفعل ، اتصل بها وفتح المكبر وأنا اسألها هل أبي مات وابكي وهيا تبكي وتجيب مات قلت لها انت كاذبه ابي لن يموت وأغلقت منها ، ثم قلت له اتصل بشقيقي الأصغر لا يكذب علي وأعدت نفس السؤال وأجابني مات وانا الآن معه في الاسعاف صرخت به قائلة كاذب أحلف ببناتك قال والي يحفظ بناتي لي أبوي مات وبكيت اكثر وأغلقت منه ، قلت لا يكذب علي أتصل بشقيقي الأكبر وكان بمثابة أبي وهو ملتزم ويخاف الله لن يكذب علي ، أتصل به وأعيد نفس سؤالي أبوي مات صح انت ماتكذب علي قال استهدي بالله ياأختي والله مات وباقي أخوانك معاه بالاسعاف والله ، أغلق وارتفع صوتي بالبكاء قلت ارجع اتصل على شقيقي الاصغر قلت له سآتي الى المغسلة الآن قال لا نحن لسه في جدة ماوصلنا مكة ولا ذهبنا للمغسلة وسنصلي عليه بالحرم ثم نأتي جميعناً الى بيتنا عند والدتي وحلف لي أنه سيجعلني اراه قبل الدفن ، بكيت ورفست زوجي اكثر كالمجنونة التي فقدت عقلها الى أن سمعت أذان الفجر هدأت قليلاً وقلت ان لله وانا اليه راجعون اللهم إني لا اسألك رد القضاء ولكن اسألك اللطف فيه .
من كثرة البكاء شعرت ان عيني اليمين ستخرج من مكانها ومن قوة الألم ايضاً ، ساعدني زوجي للوصول لدورة المياه واذكر لم يجعلني أغلق الباب تماماً خشية أن أفعل شيء بنفسي ، ياحبيبي ماذا أفعل حبيبي وراح عند ربه كل ماأفعله لن يجعله يحيا من جديد ، تركت الباب موارباً ، جلست في البانيو وأقفلت الستارة وفتحت الدش وكان باردا مما جعلني أهدا واستكن قليلاً وأستوعب ان أبي قد فارق الحياة وانا سأصبح وحيدة في غيابه ، كان زوجي ينتظرني خلف الباب وكل شوية يكلمني ليتأكد انني معه ، لطيفاً مراعياً لوضعي الصحي وحالتي النفسية وقتها لم أنتبه لهذا العوض الرباني الذي سيملئ عليا وحدتي ويكون صديقي قبل زوجي ولكن الأب غير لايشبههه احد ولن يملئ مكانه احد حتى وأن أحبك الجميع بلى أستثناء سيبقى هذا المكان فارغ كله حنين الى أن نلتقي في جنات النعيم بعد عمراً طويل بإذن الله .
وقتها أكتشفت أننا حين نتعلق جداً بشخص ماً نشعر به أذا أصابه مكروه ما مرض أو تآلم أو مات حتى ، مثل ماشعرت مع أبي منذو ذلك اليوم وأنا أدعي يارب لاتعلقني الا بك وحدك ، هذا التعلق وهذا الشعور هدني وأرهقني ويمكن أمرضني من غير ما أحس ، كنت أشعر بأبي حتى وانا بعيدة عنه واذا كلمته أعرف من نبرة صوته مابه اذا حزين ولا سعيد ، كنت أقلق اذا تآخر ليلاً في مناسبة ما ولا أنام الى أن يأتي وافتح الباب بنفسي له منذو سنوات طويلة الى أن تعبت وهدني هذا الأعصار أنشغلت بنفسي ، الآن لا أريد التعلق بأحبائي وادعو الله كثيراً بذلك لا أريد أن أمر بذلك الاسبوع الحزين ولا تلك الليلة الطويلة ولا أريد ان اشعر بهذاك الشعور المفجع وأحاول بشدة والله وحده يعلم محاولاتي وحجم معاناتي في تلك الأيام وماسببته من دمار داخلي وأذى نفسي شديد ، أعلم التعلق ليس بيدك أو بيدي كان لكن اطلب من الله في كل ليلة أن لا يعلق قلبك الا به ، لم أكن وقتها أعلم ان التعلق خطير لدرجة لم أكن أتوقعها بهذا الشكل ، التعلق عذبني جداً ومازلت للآن أحاول التشافي منه .
الحمدلله ..
للقصة بقية لنا غداً لقاء بإذن الله ..
