
الجزء الثلاثون
السنة الأولى في زواجي كانت حافلة بالكثير من الأحداث المفجعة ، وفاة أبي ، وفاة زوج اختي ، رحلتي في التخطي مع المعالجة النفسية رغم أن بعد أن أغلق العالم بسبب كورونا كنت أتواصل معها هاتفياً والحمدلله اصبحت أفضل ، المسؤولية الجديدة اتجاه زوجي أو بيتي وانا شخصية لم أتحمل مسؤولية شيء غير نفسي بحكم اني الأصغر في العائلة ، الدخول في عائلة مختلفة من حيث العادات والتقاليد ، كورونا الجحيم الأكبر وكيف مر بنا ، جميعها متعبة ومرهقة بعضها قتلني وطور شخصيتي والبعض رتبني وشكلني من جديد والآخر جعلني أكتشف نفسي بطريقة عجيبة ، لذا أحتاج الى رحلة مع زوجي للاستجمام وليس رحلة تشافي او البحث عن الدواء رحلة تآخذني بعيداً عن كل ما مررت به .
كنت قد أخبرته بأننا لم نقم بشهر العسل بسبب وفاة أبي وكورونا ، وإنني احتاج الى رحلة معه من غير ما احدد وجهتي الى أين ، أريد السفر بعيداً فقط ، بعد يومين وهو في الدوام أرسل لي الحجوزات والوجهة وأختار المنتجع ايضاً ، ابتسمت بشكل واسع ونهضت أجهز للرحلة وهو يردد على مسامعي لاتنسي أدويتك وكل ما تحتاجيه لهذا الألم خذيه معك والطقس بارد هناك كنا تقريباً في ديسمبر ، جهزت الحقائب وأهم حقيبة وأصغرها حجماً حقيبة الاسعافات الأولية لا اعصاري المفاجئ ، يوجد بها كمادات ثلجية وقوارير صغيرة تحتوي على زيوت ، زيت اللافندر يريح أعصابي ، زيت النعناع حرارته تخفف من حدة الالم برأسي ، وزيت زيتون قرأت فيه الرقية ، ومسكنات مثل البنادول و الفيفادول وشريط من الحبوب التي وصفها لي الطبيب ومنشفة صغيرة ألف فيها الكمادة حين أضعها على وجهي او رأسي ، هل تعلم هذه الحقيبة أساسية أخذها معي بأي مكان أنام به وفي المنزل تبقى كما هي جاهزة تحسباً لأي مشوار يحتاج تجهيز سريع ، بصراحة أجهزها بتركيز ويهمني تواجدها قبل حقيبة أدوات الزينة .
انطلقنا باليوم التالي الى وجهتنا ووصلنا الى هناك الخامسة عصراً ، كان الجو جميل والهواء البارد يلفح وجهي بخفه وكأنه يرحب بي ويحتضني ، مر الأول بسلام لكن تخيل ماذا نسيت ؟ نسيت إخراج شريط من دواء الطبيب الأساسي لحالتي ووضعه في الحقيبة ، أفتكرت أني قلت بداخلي بس أخلص مابيدي وأضعه ولكن نسيت يالله كم كنت حريصة على أن لا أنسى شيء ابداً بس لعله خير ، في مساء اليوم الثاني هاجمني الأعصار بقوة والحمدلله كنت وقتها في الغرفة فجأة كنت أريد أن استلقي قليلاً قبل أن استعد للعشاء الذي كان في الساعة السابعة ، يالله بكيت مثل الأطفال الى أن تعبت وضعت الزيت وهو يساعدني ممسكاً بالكمادة على نصف رأسي .
قائلاً يمكن عشان نسيتي الدواء الأساسي ، اجبته لا أنا متأكدة ليس هو السبب وابكي انادي ربي قائلة يارب أنا لم أفعل شيء سيء وأن فعلت وأنا لم أقصد وهو سبب ابتلائي أغفر لي يارب ، يارب انت تعلم ضعفي وقلة حيلتي ، قال زوجي هل أطلب لك طبيب ؟ قلت وبماذا سينفعني لا أريد ، ثم طلبت منه الخروج الى الصيدلية القريبة من المنتجع ويحضر لي بديل دوائي الذي نسيته وقد كنت أعرف اسمه والحمدلله وجده ، أحضره لي وأخذته وأستلقيت ودموعي لاتتوقف ولكن بصمت وهو بجانبي الى أن غفوت واستيقضت قبل الفجر وكأنه لم يكن بي شيء ، عندما رأيت نفسي بالمرآة وأنا في كامل صحتي ابتسمت لنفسي وقلت الحمدلله .
الحمدلله على يوم يأتي وأنا بصحة وعافية ممتازة عكس الأمس ، الحمدلله على زوج يسندني حين أميل ويقويني حين أضعف ، الحمدلله على روحي الجميلة وابتسامتي الدائمة رغم كل شيء ، الحمدلله على سرعة خروجي من حالتي الحزينه بالأمس ، والحمدلله على طاقتي الايجابية اليوم ، وقبل كل هذا الحمدلله على لطفك ورحمتك يارب ، يامن يسمعني وأنا في اكثر اوقاتي حزناً وضعفاً ويأس ، يامن يخرجني من حلق الضيق الى اوسع طريق ، يا من يزيدني قوة وأملاً وتفاؤل بأن الغد أجمل ، يا من يمدني بالنور في أحلك لحظاتي سواد ، الحمدلله على كل ما وهبتني من نعم لاتعد ولا تحصى ، هل تعلم هذا المرض علمني الامتنان وهو شكر الله على كل ما أنعم به علينا من نعم جسدية ومادية ومعنوية ، وهل تعلم أصبح الامتنان عادة لاتفارقني كل ليلة أكتبها قبل أن أنام ، الامتنان جعلني سعيدة ورسم ابتسامتي اكثر وفتح عيني على أنعم لم أكن ألتفت اليها ولم يسبق أن رأيتها ، الامتنان جعلني أقرب من الله وأكثر وفرة ، شكر الله كل يوم زاد من رزقي وكثر ، لأنه ماهو الشكر من الأساس ؟ هو الاعتراف بالنعمة للمنعم كما قال تعالى في كتابه (وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ )
الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه .
للقصة بقية لنا لقاء في الغد بإذن الله …
