
الجزء الخامس والثلاثون
لم يتبقى على عملي بتلك الوظيفة الا شهرين وأكمل سنة ، في تلك الفترة طالبت بإجازتي السنوية وأخذتها ، بعد عودتي منها طلب مني المشرف الدوام صباحاً وافقت لانني كنت افضل دوام الصباح على المساء ، في ظهيرة ذلك اليوم جاء المشرف وأنا أضع بعد الفساتين على المانيكان ، سألني الم يكلمك المدير ويخبرك بشيء؟ قلت لا ! عسى خير أخبرني ما بك ووقفت خلف الكاشير أرتب بعض الاوراق قال والله لا أعرف كيف أقول لك ولكن لن يجددوا العقد معك بعد انتهاء هذه السنة ، لم ارفع رأسي عن الاوراق واكمل انت موظفة لا مثيل لك أخلاق واحترام وتحمل المسؤولية وضغط العمل وسوف يخسرون موظفة لن يجدوا بديلاً مثلها ، وأنا صامتة ودموعي بحلقي ولكنه لم أتكلم ، وضع شهادة الخبرة على المكتب وورقة أخلاء الطرف ايضاً وينتظر توقيعي ، لا بأس وقعت وأنا ساكتة ثم ذهب ، واذا بدموعي تتساقط من غير صوت ، لماذا هل لكثرة غيابي بسبب حالتي الصحية ؟ أنا أخبرتهم وقت المقابلة بوضعي الصحي وهم وافقوا كان بأمكانهم الرفض لكن وقتها محتاجين موظفة لديها خبرة في الازياء .
بكيت كثيراً والحمدلله ان فترة الصباح موظفة واحدة تفتح المعرض لكن المساء موظفتان ، نظرت الى ساعة يدي واذا بها الثانية متبقي ثلاثة ساعات على خروجي ، لم أنتظر فقد أختنقت داخل هذا المكان أتصلت على السائق وطلبت منه الحضور الآن ، أخذت حقيبتي وأغلقت باب المعرض وارسلت للمشرف رسالة واتس أنا خارجة الآن ولا أعرف هل أحضر غداً او لا ، أتصل كثيراً ولكن لم أجيب لا أريد ان اكلمه وأنا ابكي ، ذهبت لدورة المياه غسلت وجهي ثم نزلت الى الدور الأرضي وجلست على كراسي أمام تلك البوابه أنتظر ، ماهي الا دقائق والسائق يتصل ، ركبت السيارة وأنا أبكي الى ان وصلت الى منزلي ، زوجي كان موجود ونائم دوامه مساء ، لم ادخل عنده بل جلست في الصالة أكمل بكائي الى ان تعبت وسكت تقريباً وقت أذان العصر ، وقتها أستيقظ لاداء الصلاة ولكن تفاجئ بوجودي ، سألني مابك لما تبكين ؟ أخبرته بأنهم لايريدون تجديد عقدي وأنا متأكدة بسبب كثرة غيابي ، قال انت قلتي سنة وسوف أترك هذا الدوام ، وماعاش من يبكيك مايستاهلون اخلاصك وتفانيك فيه ، والله سيعوضك بالأفضل بإذن الله و احتضني .
أكملت الثلاثة أسابيع أدوم صباحاً بصعوبة بعد إلحاح المشرف على أستمراري في الحضور لآخر يوم لأجل أخذ مستحقاتي كاملة ، وأقتنعت بكلامه وايضا زوجي قال نفس الشيء ، وقلت بنفسي لعله خير ، لو بكيت ليس على المكان ولا على الراتب القليل لكن كيف أفارق أشخاصاً قريبين لقلبي عرفتهم بهذاك المكان وعاشرتهم لمدة سنة ، لا بأس يانفسي الجميل منهم سوف يبقى معي حتى بعد خروجي من هذا المكان ، لماذا تبكين يانفسي وانت فارقت أغلى وأعز شخص لديك وأصبح تحت التراب ؟ وهم موجودين يتنفسون فوق الأرض ، مع الأيام هدأت وعادت ابتسامتي من جديد الى آخر يوم كنت مبتسمة وداخلي يردد ، ليست نهاية العالم ، ولا هيا الوظيفة الوحيدة فيه ، وتذكرت انني في بداية السنة من قائمة أهدافي كنت كتبت دوام لمدة سنة فقط ، والحمدلله عرفت به أناس لطفاء مازالوا بحياتي للآن ، وتعلمت منه الكثير ،واكتسبت خبرة جميلة منه .
لم يريدوا بقاء موظفة مريضة تتغيب كثيراً لديهم ، لا بأس لن تتوقف حياتي ولن تغلق الأبواب جميعها في وجهي ، ما أغلق الله باب الا فتح لنا باب آخر ولكن أحيانا لا ننتبه ونستسلم للحزن والضيق على سبب لا يستحق ، أو على أناس لايستحقون ايضاً، أصبحت بلى عمل وبلى روتين ولكن كانت تلك الأيام أجمل ، فقد عرفت بها نفسي أكثر وزوجي وبيتي ايضاً ، كنت مشغولة بالدوام طوال الوقت ولا اجازة لدي الى ليوم واحد تكفي ماذا ؟ لاتكفي لزيارة اهلي او الخروج مع زوجي او القيام باعمال المنزل ، وقتها شعرت بقيمة الوقت وعرفت معنى البركة فيه ، وضعت لنفسي روتين جميل فيه مثل القيام بترتيب ملابسي جيداً ، ترتيب الأواني المنزلية ، العناية بشعري ووجهي وسائر جسدي ، الجلوس مع زوجي اكثر ومعرفته عن قرب اكثر لإني لم اعرفه جيداً ثمان أشهر وتزوجت وشهرين مرض والدي بها ثم توفى وأنشغلت بنفسي عنه ثم انشغلت بالوظيفة ، ترتيب كتبي ومكتبتي وقراءة الكتب التي لم أجد الوقت الكافي لقراءتها بمتعة ، تأمل نفسي والاستمتاع بكل ما احب من هوايات لاني حقيقي فقدت المتعة بالاشياء مع الدوام ، وقتها وجدت الوقت الكافي لكل شيء أحبه ، ليس الوقت فقط بل القيام بعمل كل ما أريد وأشتهي ولكن بحب ومتعة وانسجام .
الحمدلله كثيراً
للقصة بقية في الغد لنا لقاء بإذن الله …
