إعصار في رأسي

الجزء الرابع والثلاثون

مازلت مستمرة على تطبيق علاج الراقي ومازلت احجز لديه لمده اربع اشهر بمعدل مرتين كل شهر أي ثمان جلسات في تلك الفترة ، شعرت بتحسن في نومي وأكلي ونفسيتي قبل ذلك ولم أعد احلم بشيء بعدها ، بعد تلك الاشهر الاربعة واخباري له بوضعي طلب مني زيارته مرة كل شهر ، والتزمت مثل ماطلب الى آخر زيارة كانت في شهر شعبان قبل رمضان بأيام والحمدلله لأول مرة يقرأ وانا اشعر براحة وطمأنينة وأمان داخلي واخبرته بذلك وقال : بإذن الله انت في تحسن وامورك تمام ومتى ربي ما أرد سوف تحملين بإذن الله

خرجت من عنده لأول مرة وأنا لم تتساقط دمعة من عيني ولم أتضايق ولا أخاف ايضاً ، كنت انزل درجات السلم بخفة ورشاقة واشعر ان الدنيا جميعها تحتضني الآن بفرح وسعادة ، نظرت الى زوجي وأنا امسك يده مبتسمة واردد الحمدلله اني بخير والحمدلله انك بجانبي رغم كل الصعوبات ، والحمدلله انها آخر زيارة وبإذن الله ما أرجع له ثاني قول يارب ، قال : يارب وهو يبتسم ويمسك بيدي بشدة .

وماهي الا أيام قلائل وأقبل علينا رمضان بروحانيته وجوه الجميل ، كنت أخرج الى الدوام في الساعة السابعة والنصف وساعات دوامي من ثمانية الى الثانية والنصف صباحاً ، مرت أسبوعين ونصف تقريباً كنت بخير وفي يوم الاوف بمنتصف الاسبوع تقريباً في الساعة الحادية عشر ليلاً جالسة على أريكتي المفضلة وضعت أمامي القهوة السعودية وقطعة من الحلى ، وأشعلت البخور السريع بعد ان وضعت عليه كسرة عود والاضاءة خافتة جداً ، والتلفاز مفتوح على قناة أم بي سي لكن لم أكن أتابع مسلسل معين كنت أريد فقط صوت لدي في المنزل وكعادتي في رمضان لا أشاهد اي مسلسل ، اخذت رشفة من القهوة ولقمة صغيرة من الحلى والجوال بيدي أتصفح في مواقع التسوق وأرى مالجديد ، مرت نصف ساعة تقريباً لاحظت ان الالم قد عاد وهناك يد قوية تضغط على راسي وجانبي الايمن بقوة ، تركت الجوال ووضعت يدي على خدي أقرأ الفاتحة والمعوذات وآية الكرسي سبع مرات لعل هذا الاعصار يهدأ ولكنه زاد من قوته على عيني وهاهي دموعي تتساقط على وجهي معلنة استسلامها ، بكيت وبكيت ناديت الله كثيراً يارب ماذا فعلت ليعود هذا الاعصار من جديد ؟ جالسه بخير واجازة اليوم ومسكتنه بهدوء في البيت وحتى طعام الفطور بسيط لم يتعبني في الاعداد ولم اضغط على نفسي ونمت الحمدلله جيداً لماذا ياربي قد عاد ؟ لم أتحرك من مكاني الى الساعة الواحدة وقت صلاة التهجد ، نهضت بصعوبة توضيت وأستقبلت القبلة فرشت سجادتي صليت ما أستطعت من الصلاة ، ثم رفعت يدي للسماء أدعي ربي بحزن وضعف ويأس .

لم أريد أخبار احد بعودته الى متى وهم يحزنون معي ؟ ويحملون همي ؟ ويفكرون بي ولديهم همومهم ، سكت لم أخبر حتى أهلي ولا أتصلت بزوجي الى ان عاد بعد صلاة التهجد ، وجدني على سجادتي أكلم ربي وأبكي ، سألني مابك؟ أخبرته بأن الاعصار قد هاجمني وانا في قمة روقاني ، سكت ولم يستفسر كثيراً فهو يعرف كل التفاصيل ، سألني أتريدين الذهاب الى المستشفى ؟ قلت لا ، أجاب لماذا كيف ستنامي وانت تتألمين ؟ وكيف تذهبين الى عملك ؟ قلت لا أريد شيء أريد البقاء وحدي ، قبل أذان الفجر هدأ الالم قليلاً ، لكن لم أستطع الذهاب للدوام لمدة ثلاثة أيام يدي اليمين تؤلمني بشدة ومازل الالم موجود ولكن ساكن في أعصاب إذني وعيني لم ينتشر الحمدلله ، رجعت بعدها دوامت لمدة يوم ولكن تعبت وخرجت قبل نهاية الدوام بساعة ، بعدها اخذت اجازة الى نهاية شهر رمضان كان جهد كبير على نفسي وخاصة في رمضان .

تعبت من كثرة التفكير في حالتي ، تعبت من تكرار هذا الهجوم على رأسي ، تعبت من الاسئلة التي تدور بعقلي عنه ولا أجد أجابه كافية لها ، تعبت من البحث عن الدواء الشافي ، تعبت من التحمل والصبر ، تعبت من البحث عن الأسباب والمسببات ، تعبت من الامور المعلقة ، تعبت من بكائي وذبول عيناي ، تعبت من وصف ألمي لأي شخص قريب أو بعيد ، أكتفيت بقول صداع نصفي فقط

تعبت من هذا السقم العقيم ، تعبت من عزلتي ايضاً ومن كل هذا الهدوء حولي ، اوقات اعيش تناقض غريب اذهب لأماكن صاخبة والاصوات عالية وانام متآخر واستيقظ وانا في قلب العافية ، واوقات اكون حريصه على صحتي نمت مبكراً ويومي هادئ وداخلي جميل ولكن يهاجمني الاعصار لماذا ؟ لا أعلم ، تعبت من هذه التقلبات التي لا أفهمها ، تعبت من سماعهم انت بكي عين وحسد ، لاتفعلي ، لا تتصوري ، لا تتأنقي بزيادة ، لا تضحكي بصوت عال ، لاتتحدثي كثيراً امام الناس ، لاتخبري هذا ولا ذاك ، لا تذهبي هناك انت مريضة الجو لن يناسبك ، لا تنسي وجعك ، انتبهي ، اعلم لخوفهم علي لكن انا تعبت لا أريد كل ذلك الاهتمام الزائد ولا أريد أن يخافو علي ، انا استودعت نفسي الله بكل تقلباتي والله معي في كل أحوالي لماذا لا ارفع صوت الموسيقى ؟ هل سأموت مثلا ولماذا لا أقفز بجنون في الهواء ؟ هل ستتقطع اعصابي مثلا ، الى متى سأبقى سجينة داخل صندوق زجاجي أرى الناس به ولكن لا يروني ؟ لم أعد أريد ذلك

أريد التحرر من كل تلك القيود ، أريد العيش بحرية أكثر دون تلك القيود .

الحمدلله على كل حال ..

للقصة بقية في الغد لنا لقاء بإذن الله …

إعصار في رأسي

الجزء الثالث والثلاثون

بدأ يقرأ القرآن بصوته العذب تمنيت حينها لو أستطع أن اسجله واحتفظ به في الجوال لأستمع اليه متى ما أردت ، كلما زاد بالقراءة في آيات العين والحسد بكيت بقوة أكثر وأشتد الالم على أضلعي وجانبي الايمن بصفة عامة واصبحت قدمي ويدي ثقيلة جداً وحرارة بجانب وجهي كأن أشتعلت به ناراً ومغص ببطني ، عندما انتهى توجه الي : وسألني بماذا كنت تشعرين ؟ أجبته بما شعرت قال : العين القديمة مازلت بك والحسد موجود ولكنه تجدد هذه الفترة بنية التعطيل عن الحمل ومنعك من إنجاب الاطفال يعني تفسير الحلم صحيح ، لكن أدعي الله كل ليلة أن يريك من أصابك بالعين في المنام و حافظي على الاذكار والتحصين وتطبيق علاجي وبإذن الله سوف تحملين اذا ربي كتب لا أحد يستطيع منعك من ذلك مهما بذل الاسباب كوني مؤمنة وقوية ولا تيأسي مهما حصل معك وانت قوية وأشعر بذلك لكن تحلي بالصبر أكثر .

كنت صامتة أستمع اليه وعيناي تعبت من بكائي وأصابها الذبول ، نهض من مكانه ومعه بخاخ به ماء مقرئ فيه قرآن بخ فيه جنبي اليمين وسألني حار ام بارد وكان حار جداً ثم بخ جانبي الايسر وسألني نفس السؤال وكان بارد ، ثم بخ زوجي ولكن لم يشعر بشي والحمدلله ، ثم طلب من زوجي وضع يده اليمين على رأسي ثم وضع يده فوقها وأخذ يدعو لي بالشفاء دعاء أثلج صدري و أبكاني من جديد ، عندما انتهى أوصاني بالعلاج والمراجعة بعد أسبوعين ، أشترينا الدواء وكان نفس السابق زيت وعسل وماء زمزم كلها قرئ عليها القرآن وتطبيقها مثل السابق زيت ادهن به الجانب الايمن من وجهي ورأسي ويدي وعسل ملعقه صغيرة صباحاً وماء أشرب منه في جميع الاوقات واذا نقص أزيد عليه من عندي وهكذا ، كلما كنت أدهن كل ليلة يضيق صدري وتزداد حرارتي بهذا الجانب ولكن كنت صابرة ادعو الله وانا ابكي وألح عليه بالدعاء .

ضاق صدري بما يفعلون وبما يقولون وأنا لا أعلم لماذا؟ ستة سنوات فقدت فيها مافقدت وحصل معي الكثير وتغير بي ايضاً الكثير وأصبحت شخصاً آخر أحياناً لا اعرفه كثير ولكن أحبه جداً بجميع تقلباته ومزاجيته وحزنه وفرحه وكل تفاصيله ،مازلت أفكر هل الله ابتلاني بهذا الابتلاء ليهذبني ويغيرني ويعيد تشكيلي من جديد ويحولني لشخص أفضل ! أم هل ابتلاني به ليعذبني ويخفف من ذنوبي ؟ لكن الله لايعذب قوماً وهم يستغفرون وأنا كنت أستغفره ليل نهار ، أم ابتلاني ليعلمني الصبر والقوة وطولت البال و التماسك في اصعب الأوقات ؟ أم ابتلاني ليطهرني من الذنوب والمعاصي ؟ واسئلة لاتنتهي في مخيلتي ولكن أعلم أنه سيعوضني ويجبر قلبي جبراً عظيماً ، سيعوضني بفرحة كبيرة تنسيني ما عانيت لسنوات ، وفوق هذا أجري عنده كبير ولا يضيع عند الله شيء وهذا يكفيني ولكن أحياناً أغلق جميع الأبواب واستلقي على سريري لأيام أتأمل حالي وما أصبحت عليه وأرى تحولاتي الواضحة في شخصيتي و أتنهد قائله الحمدلله الحمدلله على كل مامر وإن ضرني لكن الحمدلله على كل حال .

مرت الأسبوعين سريعاً وانا بين الدوام وشؤون البيت شغلتني قليلاً عن التفكير في هذا الالم وجعلتني أتحمل وضع الزيت كل ليلة وسبحان الله عندما كنت أضعه على صدري مكان السقوط في الحلم يصبح حار ويؤلمني جداً ولكن اتحمل واضع يدي عليه وأقرأ الفاتحة الى أن أغفو وأنام ، ذهبت للموعد في نفس التوقيت السابق ولم أنتظر هذه المرة ، عند وصولنا اليه نادى برقمي وأطل علينا السكرتير من النافذة يخبرنا بالدخول ، دخلت الى نفس تلك الغرفة ننتظره وزوجي يقول ليلطف الجو ويجعلني أبتسم هل تعلمين انها اول مرة بحياتي ادخل عند راقي واعرف طريقه ! نظرت اليه قائلة هل خفت؟ قال وهو يضحك لا ولكنها المرة الاولى وكانت تجربة مختلفة معك ومعي ايضاً ، أبتسمت له ودخل الراقي الينا سلم وسألني عن حالي وأخبرته كيف مرت هذه الفترة ومازلت مستمرة على نفس العلاج الذي وصفه لي ، بدأ يقرأ نفس الايات و بدأت أنا أبكي كالعادة بصوت عالي ومخنوق وأشعر ان روحي تريد الخروج من بين أضلعي من كثرة الضغط عليها كأن هناك يد قوية فوقها تضغطها الى مالا نهاية ، عندما أنتهى سألني نفس الاسئلة السابقة وفعل نفس مافعل سابقاً بخني ثم بخ زوجي ويسآلنا ماذا نشعر ؟ أجبته ثم قام بالدعاء لي بصوت جميل جعلني ابكي مرة ثانيه واشعرني بضعفي وقلة حيلتي ، وقبل ان يخرج طلب من زوجي حجز موعد آخر بعد أسبوعين ايضاً .

هكذا مرت حياتي ومازلت تمر بين طرقات المعالجين والرقاة أو في ممرات المستشفيات وغرف الانتظار ، بين هجوم اعصار مفاجئ بسبب او من غير سبب وبين عزلة لأيام وغياب عن الدوام ، بين رائحة زيت الزيتون وطعم العسل وبين جلسات المساج أو العلاج الطبيعي ليدي التي تخذلني أحياناً وقت العمل ، بين سورة البقرة يومياً والتحصين والأذكار التي لا انساها حتى قبل أن أمرض ، بين أبرة في الوريد وجرعة أكسجين أو كمادات ثلج وزيت نعناع أهدأ واستكن ، بين حقيبة اسعافات لاتفارقني ومسكن صداع مرافقني أسير في أيامي ، بين عين باكية وابتسامة لاتغيب وقلب نابض ولسان يدعو ليل صباح ، بين قوة ولكن بمرونة مرة اطير فوق السماء السابعة ومرة أدفن نفسي الى سابع أرض ، بين التواجد والحضور أحياناً وبين الغياب المستحب لأجل السلامة ، بين أمنية ونداء مستغيث ووشاح كبير من الصبر أرتديه دائماً وفي كل الأوقات ، بين الحمدلله اغفى وعلى الحمدلله أستيقظ وعلى الحمدلله تمضي أيامي .

الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ..

للقصة بقية لنا لقاء في الغد بإذن الله …

إعصار في رأسي

الجزء الثاني والثلاثون

بعد مرور شهر بدأت أستوعب هذا الحلم جيداً واقتنعت بفكرة ضرورة عودتي لنفس الراقي الذي عالجني في بداية إصابتي للمرض ، أخبرت زوجي بما كنت أمر فيه هذا الشهر وبحلمي البشع وهو ملاحظ من البداية حالتي هذه ، بحثت عن رقم هذا الراقي وحصلت عليه ومازل يسكن في نفس تلك المنطقة وذلك الحي ، بنفس الوقت مدير دوامي السابق أتصل وطلب عودتي للدوام بعد انتهاء الاغلاق التام بسبب كورونا وقبلت العودة بعد أن استخرت وزوجي لايمانع ذلك ، تواصل زوجي مع الراقي وذهب يوم السبت لتأكيد الحجز وأخذ رقم ويوم الثلاثاء كان موعدي ورقمي اثنان وعشرون الساعة العاشرة والنصف ، طلبت متآخر لان دوامي ينتهي في الحادية عشر وقد أستئذنت في الخروج قبله بساعة ، كنت أنتظر هذا اليوم بخوف مما سيقوله لي وعقلي رغم انشغالي بالدوام الا انه مازل يفكر باستمرار في هذا الموعد وماذا سيحصل به .

مرت الأيام ببطئ شديد وحالي على ماهو عليه وداخلي حزين رغم ابتسامتي موجودة وكل من يراني من زميلات العمل يبتسم ويظن انه لامشكله لدي ، أذكر ذات مرة دخلت زميلتي من المعرض الذي بجانبي تسألني عن شيء ما وقد حلت الساعة الخامسة والربع ودوامي يبدأ من الساعة الخامسة تماماً ، رفعت رأسي عندما سلمت وردت عليها السلام وأنا مبتسمة ومزاجي في محله ، قالت بطريقة عجيبة أنتي ماعندك مشاكل ؟منذو قدومك الى هنا اراك دائماً مبتسمة وطاقتك ايجابية عاكسة على المكان بشكل جميل ، أبتسمت وقلت لها الحمدلله هذا بفضل ربي وخرجت ، وأنا بداخلي اردد هل يوجد شخص بالدنيا لاتوجد مشاكل لديه ؟ ولكن هناك شخص تعلم كيف يفصل بين مشاكل البيت او مشاكله مع نفسه ولايحضرها معه الى مكان عمله ، وهناك شخص تعلم كيف يبتسم وهو متفائل كل يوم بأن الغد أجمل وكل مشكلة ولها حل بإذن الله مهما طال وقتها ، وهناك شخص تعلم كيف يفكر بإيجابية ويسلم جميع اموره لله ، وأنا كنت مزيج من هولاء الأشخاص جميع .

وأخيراً حل الثلاثاء المنتظر والحمدلله جاء زوجي ليآخذني في الساعة العاشرة وسبق أن أستئذنت من المشرف ، وصلنا تقريباً في العاشرة والنصف نزل هو ليخبر السكرتير بقدومنا وطلب منه الانتظار قليلاً ، اصبح قلبي ينبض بسرعة رهيبة يكاد يخرج من بين أضلعي وأنفاسي سريعة وسكت مرة واحدة وداخلي يردد يارب كُن معي ، اتصل علي وقال جاء دورنا انزلي من السيارة أنا انتظرك عند الباب ، نزلت وأنا أسحب أقدامي كأني اريد العودة وشيء يقول لي لا لا تقدمي انت قوية لاتستسلمي هانت ومابقى الا القليل والله معك ، العودة لنفس المكان أحزنتني ايضاً ولدي ذاكرة عقيمة جداً تخزن كل شيء لاتفرق بين السلبي أو الايجابي ، تذكرت أوقات قدومي قبل أربع سنوات مع شقيقي ولحظات بكائي ويأسي وانا انتظره جالسة على درجات السلم المؤدي الى منزل الراقي ، تذكرت خوف والدي رحمه علي في تلك الأيام وأين هو الآن ! نعم كنت خائفة حتى من تذكر هذه التفاصيل بعد أن نسيتها واولها ذكرى وفاة أبي لذا نزلت دموعي غصب عني وأنا أسير في ذلك الشارع وأصعد درجات السلم ، لكن فرق شيء واحد وجود زوجي معي وبجانبي طمئن قلبي ونظراته لي معناها لاتخافي أنا معك وأمساكه بيدي لحظة وصولي الى الباب يعني أنا بجانبك اطمئني ، فتح لنا السكرتير الباب وطلب منا الجلوس على هذه الكراسي في صالة صغيرة أمامنا باب مغلق ومن خلفه أسمع صوت الراقي وهو يقرأ القرآن بخشوع فعلاً كان صوته جميل يشعرني براحة وطمأنينة وهدوء ورائحة البخور اضافت على المكان جمالاً وروحانية خلابة .

بعد دقائق انفتح الباب المغلق الذي أمامي وخرج منه الراقي وبعده رجل ومعه امرأتان ، جاء السكرتير وطلب منا الدخول لتلك الغرفة وانتظار الراقي ، دخلت وجلست على الكرسي الوسط وزوجي على يميني بعد دقائق دخل الراقي وسلم وجلس على الكرسي الذي على يساري بعيداً عني قليلاً ، سأل مابكم ؟ ومن المريض ؟ قلت له أنا المريضة وهذا زوجي معي ، قال مما تشكي ؟ اولا ذكرته بنفسي واني قبل اربع سنوات قدمت اليه ولكن مع شقيقي وبقيت ازوره لمدة ستة أشهر وأنا الآن قد تزوجت قبل سنة ، قال نعم تذكرتك ، ولكن الآن مابك ؟ أخبرته بحلمي وتفسيره وحالتي النفسية بعده رغم انني محافظة على التحصين والاذكار وقراءة البقرة يومياً وابتعدت كثيراً عن المعاصي أهمها سماع الأغاني والكلام في أعراض الناس والنميمة والغيبة جميعها ، واني مقلة في حضور المناسبات الاجتماعية بحكم انشغالي بالدوام ولايوجد إجازة لدي الا يوم واحد في وسط الأسبوع ، قال هل حضرتي زواج قريب ، اجبته قبل اربع اشهر حضرت زواج ولد أختي وقبل شهر سافرت ، وبعد رجوعي لم اقابل احد غير أهلي لمدة شهر والآن اتيت اليك ، وحلمي هذا بعد رجوعي من السفر بفترة قصيرة .

الحمدلله على كل حال ..

للقصة بقية لنا لقاء في الغد بإذن الله ..

إعصار في رأسي

الجزء الحادي والثلاثون

بعد عودتي من السفر بإسبوع حلمت بحلم وكأنه واقع وحصل بحياتي حقيقة ، حلمت به مرتين في الأسبوع وبطريقة أفزعتني كثيراً وشعر داخلي ان هناك خطباً ما بي ، رأيت بحلمي أني في منزل عائلتي الكبير وقبل أن يتم تجديده ، كنت أريد الخروج من دورة المياة التي حالياً أصبحت مستودع ، وأنا في طريقي رايت ان في السقف وزغ ( البريعصي) لونه برتقالي ومن اطرافه الى اسفله أخضر داكن ورأسه ملتف نحوي وعينه كبيرة شفافة كأنها زجاج وكأنه يترصدني وينتظر خروجي ، ترددت في الخروج وأسرعت وأنا أجري ولكن سقط على صدري اليمين ، عندها أستيقظت من نومي كا المجنونة أصرخ وأفتح النور وأبحث عنه في سريري ولكن لم أجده وزوجي يردد نامي انا بجانبك لايوجد شيء .

في نفس الاسبوع حلمت به مرة ثانية وبنفس التفاصيل وصحوت بجنون أكثر وانا ابحث عنه ولكن لم أجده ، ومن قوة سقوطه على صدري كان يؤلمني ليس في الحلم وأنما في الواقع ، على عادتي لا أحب تفسير الاحلام السيئة مرة وأي حلم ارى فيه هذا الحيوان البغيض اعرف بعدها أني سوف أمرض خلال هذه الفترة بنفس مرضي السابق ، لكن هناك بداخلي صوت يخبرني ويلح علي في تفسيره رغم انني تجاهلته أسبوع الا اني بالأخير سمعت هذا الصوت ، بحثت كثير عن مفسرين ثقة وتواصلت مع أحداهماً وكان رجلاً ، أرسلت له الحلم كامل بعدها سألني ؟ هل عندك أطفال؟ و هل سبق لك الحمل ؟ أجبته لا ، قال انت بك عين قوية وحسد متجدد لك بهذه الفترة مسبب لك تعطيل في الحمل ولن تحملي الا بعد رقية أبحثي عن راقي واذهبي اليه ولا تتآخري والله أعلم ، يالله اقرأ كلماته وأصيح بأعلى صوت والم يكاد يمزق قلبي ولا أعرف ماذا أفعل ؟ وهل أخبر زوجي اولا وكيف أخبره ؟ توضيت وفرشت سجادتي صليت وبكيت ودعوت الله أن يكون معي في هذه المصيبة .

قلت بنفسي لربما كان يكذب سأبحث عن مفسر آخر وبحثت ووجدت امرأة هذه المرة ، تواصلت معها وأرسلت لها الحلم بكافة التفاصيل ، سألتني نفس أسئلة المفسر الأول وأخبرتني بنفس ماقال وقالت لو تريدين راقي أنا أدلك والله يشفيك ، آه ياربي تتساقط الدموع من عيني وأنا صامتة مع نفسي أريد أن أستوعب هذا الكلام ولما يحصل معي ، ماذا فعلت بتلك الفترة ولمن ذهبت؟ مرت ألاسبوعين بصعوبة وأنا لايعلم بحالي غير الله وحده ، شايلة همي بقلبي وساكتة لم أخبر أحداً لا زوجي ولا صديقتي ولا حتى أقرب شقيقاتي لقلبي ، قلت شهيتي للأكل وأصبحت انطوائية وفقدت متعتي بكل ما أحب ولم أعد أرغب بالحديث ولا رؤية أحد ، الحزن غطى عيناي وأدمى قلبي ، كيف لا انسانة داخلها خبيث تتسلط علي وأنا لم أفعل شيء لأحد ، وأصبحت علاقاتي معدودة ومحدودة أيضاً ، وقليلة الظهور في المناسبات الاجتماعية الا للضرورة ،

حسد متجدد أول مرة أسمع أن الحسد يتجدد بهذه الصورة ، كنت كل ليلة أكلم ربي وأخبره باكية ، يارب تحملت الأذى في صحتي ونفسيتي ورضيت بقدري ولم أستسلم ومازلت أبحث عن الدواء الشافي والسبب الواضح لحالتي ، يارب صبرت وذقت العلقم واقتربت من الجنون في بدايات هذا الوجع الغريب ، يارب كيف أتحمل أن أنحرم من الأطفال ، علمني يالله كيف أتحمل هذا الشعور وأنا أريد أن أصبح أم اليوم قبل الغد ، يارب انت تعلم حب الاطفال في عائلتي لي وحجم حبي لهم ، وتعلم كمية مشاعر الأمومة والعطاء داخلي ، كيف يحرموني من أجمل النعم ؟ كيف يحرموني من زينة الحياة الدنيا ؟ يارب مايصعب عليك شيء انت اعلم بوضعي وجميع ما أشعر به كُن معي يالله قويني وأنير بصيرتي وطمن قلبي وفرح همي انت القادر والقوي.

زاد ألالم بصدري ولم أتحمله لدرجة لا أستطيع النوم على هذا الجانب ، لم اتحمل حجزت عند أخصائية وذهبت اليها وشرحت الالم لها بعدها طلبت أن أعمل فحص الثدي بأشعة( الماموجرام ) نفس الاشعة للكشف عن سرطان الثدي ، أجريتها بنفس اليوم والحمدلله ولكن النتيجة غداً ، لم أنام جيداً حينها ليس لخوفي من اي مرض ولكن أريد معرفة ما يؤلمني ليرتاح قلبي وأستعد للعلاج ، وانا مؤمنة بقضاء الله وقدره وراضية في جميع الاحوال ، لم أذهب باليوم التالي حجزت الموعد عن بعد مع الدكتورة ، أخبرتني ان لا يوجد مشكلة كبيرة بصدري ولكن كيس دهني وحجمه صغير لا يحتاج حتى الى تدخل جراحي الا حين يزيد حجمه بصورة غير طبيعية وأن استمر هذا الالم لأشهر ، أخيراً تنفست بصورة جيدة وقلت الحمدلله يارب بسيطة أن شاء الله ومع الوقت سيختفي بإذن الله .

الحمدلله كثيراً

للقصة بقية في الغد لنا لقاء بإذن الله .

إعصار في رأسي

الجزء الثلاثون

السنة الأولى في زواجي كانت حافلة بالكثير من الأحداث المفجعة ، وفاة أبي ، وفاة زوج اختي ، رحلتي في التخطي مع المعالجة النفسية رغم أن بعد أن أغلق العالم بسبب كورونا كنت أتواصل معها هاتفياً والحمدلله اصبحت أفضل ، المسؤولية الجديدة اتجاه زوجي أو بيتي وانا شخصية لم أتحمل مسؤولية شيء غير نفسي بحكم اني الأصغر في العائلة ، الدخول في عائلة مختلفة من حيث العادات والتقاليد ، كورونا الجحيم الأكبر وكيف مر بنا ، جميعها متعبة ومرهقة بعضها قتلني وطور شخصيتي والبعض رتبني وشكلني من جديد والآخر جعلني أكتشف نفسي بطريقة عجيبة ، لذا أحتاج الى رحلة مع زوجي للاستجمام وليس رحلة تشافي او البحث عن الدواء رحلة تآخذني بعيداً عن كل ما مررت به .

كنت قد أخبرته بأننا لم نقم بشهر العسل بسبب وفاة أبي وكورونا ، وإنني احتاج الى رحلة معه من غير ما احدد وجهتي الى أين ، أريد السفر بعيداً فقط ، بعد يومين وهو في الدوام أرسل لي الحجوزات والوجهة وأختار المنتجع ايضاً ، ابتسمت بشكل واسع ونهضت أجهز للرحلة وهو يردد على مسامعي لاتنسي أدويتك وكل ما تحتاجيه لهذا الألم خذيه معك والطقس بارد هناك كنا تقريباً في ديسمبر ، جهزت الحقائب وأهم حقيبة وأصغرها حجماً حقيبة الاسعافات الأولية لا اعصاري المفاجئ ، يوجد بها كمادات ثلجية وقوارير صغيرة تحتوي على زيوت ، زيت اللافندر يريح أعصابي ، زيت النعناع حرارته تخفف من حدة الالم برأسي ، وزيت زيتون قرأت فيه الرقية ، ومسكنات مثل البنادول و الفيفادول وشريط من الحبوب التي وصفها لي الطبيب ومنشفة صغيرة ألف فيها الكمادة حين أضعها على وجهي او رأسي ، هل تعلم هذه الحقيبة أساسية أخذها معي بأي مكان أنام به وفي المنزل تبقى كما هي جاهزة تحسباً لأي مشوار يحتاج تجهيز سريع ، بصراحة أجهزها بتركيز ويهمني تواجدها قبل حقيبة أدوات الزينة .

انطلقنا باليوم التالي الى وجهتنا ووصلنا الى هناك الخامسة عصراً ، كان الجو جميل والهواء البارد يلفح وجهي بخفه وكأنه يرحب بي ويحتضني ، مر الأول بسلام لكن تخيل ماذا نسيت ؟ نسيت إخراج شريط من دواء الطبيب الأساسي لحالتي ووضعه في الحقيبة ، أفتكرت أني قلت بداخلي بس أخلص مابيدي وأضعه ولكن نسيت يالله كم كنت حريصة على أن لا أنسى شيء ابداً بس لعله خير ، في مساء اليوم الثاني هاجمني الأعصار بقوة والحمدلله كنت وقتها في الغرفة فجأة كنت أريد أن استلقي قليلاً قبل أن استعد للعشاء الذي كان في الساعة السابعة ، يالله بكيت مثل الأطفال الى أن تعبت وضعت الزيت وهو يساعدني ممسكاً بالكمادة على نصف رأسي .

قائلاً يمكن عشان نسيتي الدواء الأساسي ، اجبته لا أنا متأكدة ليس هو السبب وابكي انادي ربي قائلة يارب أنا لم أفعل شيء سيء وأن فعلت وأنا لم أقصد وهو سبب ابتلائي أغفر لي يارب ، يارب انت تعلم ضعفي وقلة حيلتي ، قال زوجي هل أطلب لك طبيب ؟ قلت وبماذا سينفعني لا أريد ، ثم طلبت منه الخروج الى الصيدلية القريبة من المنتجع ويحضر لي بديل دوائي الذي نسيته وقد كنت أعرف اسمه والحمدلله وجده ، أحضره لي وأخذته وأستلقيت ودموعي لاتتوقف ولكن بصمت وهو بجانبي الى أن غفوت واستيقضت قبل الفجر وكأنه لم يكن بي شيء ، عندما رأيت نفسي بالمرآة وأنا في كامل صحتي ابتسمت لنفسي وقلت الحمدلله .

الحمدلله على يوم يأتي وأنا بصحة وعافية ممتازة عكس الأمس ، الحمدلله على زوج يسندني حين أميل ويقويني حين أضعف ، الحمدلله على روحي الجميلة وابتسامتي الدائمة رغم كل شيء ، الحمدلله على سرعة خروجي من حالتي الحزينه بالأمس ، والحمدلله على طاقتي الايجابية اليوم ، وقبل كل هذا الحمدلله على لطفك ورحمتك يارب ، يامن يسمعني وأنا في اكثر اوقاتي حزناً وضعفاً ويأس ، يامن يخرجني من حلق الضيق الى اوسع طريق ، يا من يزيدني قوة وأملاً وتفاؤل بأن الغد أجمل ، يا من يمدني بالنور في أحلك لحظاتي سواد ، الحمدلله على كل ما وهبتني من نعم لاتعد ولا تحصى ، هل تعلم هذا المرض علمني الامتنان وهو شكر الله على كل ما أنعم به علينا من نعم جسدية ومادية ومعنوية ، وهل تعلم أصبح الامتنان عادة لاتفارقني كل ليلة أكتبها قبل أن أنام ، الامتنان جعلني سعيدة ورسم ابتسامتي اكثر وفتح عيني على أنعم لم أكن ألتفت اليها ولم يسبق أن رأيتها ، الامتنان جعلني أقرب من الله وأكثر وفرة ، شكر الله كل يوم زاد من رزقي وكثر ، لأنه ماهو الشكر من الأساس ؟ هو الاعتراف بالنعمة للمنعم كما قال تعالى في كتابه (وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ )

الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه .

للقصة بقية لنا لقاء في الغد بإذن الله …

إعصار في رأسي

الجزء التاسع والعشرون

حجزت موعد عند هذه الدكتورة المعروفة بخبرتها كما أخبرنا هذا الطبيب ، في اليوم التالي ذهبنا اليها وبعد إنتظار طويل طويل جاء دوري ، دخلت اليها واذا بي أرى سيدة كبيرة في السن هادئة ، بعد أن جلست سألتني عن حالتي أخبرتها عن وضعي مع هذا الاعصار منذو تقريباً خمس سنوات وهذه السادسة ونوعية الأدوية ايضاً ، نهضت من مكانها وطلبت مني الجلوس على السرير ووقفت أمامي ، طلبت مني أن ادفع يدها اليمين بيدي اليمين واليسار بيدي اليسار ، أحضرت مطرقة وطرقت فيها في ركبتي اليمين ثم اليسار ، وقفت ومشيت قليلاً أمامها ثم وانا واقفة ادفع كلتا يديها بيدي الاثنين ، بعد أن رجعت مكانها أخبرتني ان مقاومة يدي اليمين وقدمي ايضاً أضعف من اليسار ويمكن ذا بسبب ضعف أعصاب تلك الناحية رغم اني كنت محافظة على التمارين الرياضية وقتها .

سكت برهة وسألتها ما الجديد أعرف وضعي تماماً ولم أترك شيء الا وجربته ، أخبرتني انها لن تكتب لي أدوية ودوائي يكفي لكن طلبت مني أن اعمل جدول يحتوي على أيام الأسبوع وكل ليلة أكتب آخر وجبة أكلتها أو شيء شربته لمدة ثلاثة أشهر واذا تعبت بيوم اسجله ايضاً ، ربما تكون عندي حساسية من بعض الأطعمة التي أكلها قبل أن أنام لذا يهاجمني هذا الاعصار وانا نائمة ، قلت لها حسناً ليس هناك شي أخسره سأكتب لك وبعد ثلاثة أشهر سنتقابل اذا ربي كتب بإذن الله ، أخذت بنصيحتها وكل ليلة وأنا أسجل ماذا اكلت قبل نومي ، وهذا النوت مرافقني في كل مكان أذهب اليه الى أن مرت الثلاثة أشهر بصعوبة لإني انتظرها تمر لعلي أعرف سببه .

حجزت موعد وذهبت اليها ومعي النوت ودخلت سريعاً وقتها ولله الحمد ، أرتدت نظارتها بعد أن أعطيتها النوت وأخذت تتفحصه بدقة وقتها هاجمني الأعصار سبع مرات على أيام وأشهر متفرقة ، ليس يوقظني من نومي فقط لا تطور أحيانًا وأنا اشاهد التلفاز وأحيان وانا في البحر ومرة وانا خارج المدينة لقضاء ليلة خارج المنزل ، ومرة وأنا راجعة من الممشى وهكذا لا أعلم سبب له ، قالت ليس لديك حساسية من أي طعام كان وليس له تفسير واضح لهجومه على حسب كلامك ، لم يضايقك شيء ولا سمعتي خبر محزن ولم تكوني متوترة او في مشكلة وليس الطعام سبب ، لكن يا أبنتي سأخبرك بتقنيات طبقيها اذا هاجمك سوف تخفف حدته بعض الشيء ، أشتري كمادة ثلجية ضعيها على الجزء المصاب لتخفف من قوة جريان الدم في الشرايين ، وكمادة ثلجية على شكل نظارة أحتفظي بها في الفريزر وقت الألم أرتديها لتخفف الالم على عينيك اليمين خاصة ، وايضاً قومي بتدليك يدك اليمين وقت الهجوم انت أو اي شخص كان عندك كلها تخفف من شدته .

خرجت من عندها وأنا حزينة صامتة لا أعرف ماذا أقول لنفسي وأشعر أن جميع الأبواب أغلقت في وجهي ، وليس بيدي حيلة جربت الكثير لمعرفة سببه وأمتنعت عن الكثير سنوات ولم تمنعه من مهاجمتي ، هجرت السهر وجربت النوم مبكراً سنوات ، أمتنعت عن أطعمة أحبها لأجله ، توقفت عن الدخول في المشاكل واستهلاك أعصابي ، غيرت نظرتي للأمور التي كانت تضايقني وأصبحت لاتهمني ولا أزعل عليها ، صوتي صار أهدأ الى ان اصبح عادة ، لم أترك راقي ولا معالجة شعبية الا وطرقت بابها ، ماذا أفعل أكثر يالله هذا أنا مرت ست سنوات ومازلت على نفس وضعي معه صحيح تعلمت السيطرة عليه وتعودت على وجوده لكن تعبت يارب ، بكيت بحرقة في طريق عودتي للبيت ولم أتكلم بعدها وزوجي يمسك يدي بهدوء وهو صامت معي ، يخبرني بلمسته تلك أنه معي مهما صار وبجانبي للأبد .

أجبرني على تغيير شخصيتي ولكن أحببت شخصيتي الجديدة جداً ، كما غيرتني وفاة أبي الى شخص آخر لا أعرفه أحيانا ولكن التغيير أغلبه إيجابي وهذا الأهم ،كنت أشعر إني ناضجة من قبل تلك السببين المؤثرة في حياتي ولكن بعدها شعرت أني ناضجة بكل ماتحمله تلك الكلمة من معنى وعمق ، ناضجة كما جاء في كتاب المرحلة الملكية حين قرأته ،تغيرت أهتماماتي وأولوياتي ومسؤوليتي اتجاه حياتي تغيرت بطريقة أجمل ، كلامي أصبح موزوناً بشكل أفضل وإبتسامتي زادت من جمالي لدرجة قادرة أخفي بها ما أشعر به وأضعها قناع متى ما أردت ولكن أصبحت مبتسمة في جميع أوقاتي ومصدرها نابع من قلبي ، ولا أعرف اتصور الا وأنا ارى أسناني ، هل تعلم لما أبتسم أكثر رغم مافقدت ومازلت أفقد من صحتي ؟

لإن الله معي أشعر بوجوده في كل الاشياء حولي وعوضني بالأجمل ، هذا زوج محب ولطيف حنون أضع رأسي على كتفه في أضعف حالاتي ويمسك بيدي دائماً ، ولدي بيت جميل أشعر فيه بالهدوء والاستقرار فيه كل ماأحب ، ولدي عائلة كبيرة نعمة من الله بها أشقاء أرى أبي في ملامحهم ، وأم حنونة جداً أرى في عينها الحزينة أبي ، وشقيقات وأخوات أرى في بعضهم صفات أبي أو طريقته في الكلام ، عائلة محبة متماسكة يسندوني ويسألون عني أذا أختفيت من وجعي وأغلقت الأبواب علي ويتحملوني في أصعب أوقاتي ، لدي أصدقاء لايشبهوني لكن داعمين ويضحكوني حين أحزن ويتحملون نوبات جنوني ، ولدي الكثير شغف وهوايات أحبها ورزقني الله بنعم في شكلي وهيئتي الجسدية أن أعددتها لا أنتهي ، وفي شخصيتي صفات حسنة لاتعد ولا تحصى وكلها بفضل الله ، وعشت كا أميرة في بيت والدي لاينقصني شيء ودخلت بيت زوجي كا أميرة وأعيش فيه سعيدة ولدي ذكريات جميلة كل يوم ، أخبرني بعد هذا لماذا لا أبتسم ؟ لماذا أركز فقط على مافقدت من صحة لاتعوض والله قادر على شفائي ويعرف دائي ولديه دوائي وفي يوماً ما سأصل اليه ، أخبرني بالله عليك لماذا لا أبتسم ؟ هل أن تجهمت أو عبست ستعود علي صحتي ويختفي هذا الاعصار تماماً من حياتي؟

الحمدلله كثيرا

للقصة بقية لنا لقاء في الغد بإذن الله …

إعصار في رأسي

الجزء الثامن والعشرون

تبقى أسبوعين لموعدي مع المعالجة النفسية حينها هجم فايروس كورونا على العالم جميع وتوقف كل شيء ، توقفت عن الذهاب للدوام وتواصلت مع المعالجة وأخبرتني ستكون جلساتنا اونلاين وارسلها واجباتي على الواتس ، كنت معها لمدة ستة أشهر وحقيقي قد ساعدتني كثيرا على تقبل فكره موته وفكرة غيابه وعلمتني كيف أتعامل في هذه الاوقات الصعبة مع نفسي ومع كل من حولي ، وصداعي النصفي يزورني بين فترة وفترة واحيانا شديد ، لكن لايمكننا الخروج من البيت كل دوائي له نفس ما كنت أتعامل سابقاً مع نفسي ، البقاء في هدوء والعزلة بسريري كم يوم واضاءة خافتة جداً وماء بارد وثلج وقبلها أرقي نفسي وادعي الله ، وهكذا مرت جميع نوبات هذا الاعصار في كورونا ، والحمدلله هذا أنا أتنفس وموجودة على قيد الحياة وانا كنت أحسب نفسي أموت أما بسببه او بسبب غياب والدي رحمه الله .

قليلاً قليلاً بدأت أعود لنفسي السابقة المبتسمة الهادئة أعود لكل ما أحب بشوق بعد أن فقدته فترة طويلة ، أن سألتني هل تصالحت مع فكرة غياب والدك وتقبلتي موته ، أجيبك نعم بعد وفاته بسنة وجدت أن أسهل الحلول تقبل الفكرة مهما كانت معاناتها ، لمن تقبلت فكرة موته وأفتكرت لحظات تعبه وقد هده المرض بعد قوة آمنت ان رحيله راحة له ولكن الشوق مميت وليس لي طاقة اذا شعرت به أحيانا كان يهزمني هذا الشوق أيام وأغلق على نفسي تماماً ثم أعود من جديد وأخرج الى العالم ، وهكذا تمر أيامي اذا غلبني شوقي لأبي لم تكون بيدي حيلة غير دعاء الله والالحاح في الدعاء بجبر قلبي المكسور وجبر قلب أمي الحزين ، تعلمت وقتها كيف أعيش في أصعب اللحظات وكيف أكون ، بوفاته تغيرت مرة آخرى ولم تعد تهمني الدنيا بكل مافيها ، سامحت من أساء الي يوماً ، قبل أن انام اسامح الكل وأتشهد ايضاً ، أصبحت هادئة اكثر وكلامي أقل اذا الموضوع شدني أو طلب رأيي تكلمت حينها وصامتة في أوقات الآخرى ، صرت متواضعة اكثر وهنا أعترف انا شخصية لم أكن متواضعة كثيراً ورغم مرضي غيرني واتصفت بها الا وفاته زادتني تواضعاً وبساطة وزهد ،

أحب الجميع وأساعدهم بحب لساني لاينطق الا بالجميل واراعي مشاعر الناس وقت الجلوس معهم ، هل تعلم بوفاته دفن جزء مني معه ومازلت أشعر بهذا الجزء الناقص والمكان الخالي داخلي الى الآن ، تغيرت نظرتي للدنيا وزينتها تغيراً واضحاً ولكن أحببته وأحببت نفسي أكثر بعده ، ودعوتي الدائمة يارب لاتعلق قلبي الا بك لاتفارق لساني للآن ،

في نفس تلك السنة التي توفي بها أبي وبعد خمسة أشهر أعتقد كان شهر شعبان توفى زوج شقيقتي الكبرى كان صديق والدي قبل أن يصبح زوج أبنته ولكن ليس بسبب كورونا انما جلطة في قلبه أدت الى وفاته ، وقتها لم أكن أعلم بوفاته فجأة في يوم عصرا كنت اشرب القهوة مع زوجي أتصل ولد شقيقي يسلم علي ويسألني عن حالي فالدنيا مغلقة تماما بسسب كورونا لانرى بعضنا منذو شهور بعدها قال هل تعلمين عمر مات ! هنا تجمدت مكاني وزوجي يطالع بي مابك ؟ وجهي قد تغير ودموعي تتساقط حسبته عمر شقيقي الأصغر ، من حب أبي في زوج أختي سماه على نفس أسمه ، وقتها صرخت بأعلى صوته وأقول له عمر مات وهو يسأل عمر زوج اختك ولا شقيقك ؟ لم يفهم مني أتصل مرة آخرى به وأخبره انه زوج أختي وليس شقيقي ، وقتها ساءت حالتي كثيراً وهاجمني الاعصار بقوة جعلتني طريحة في الفراش لأيام وأنتظرنا في صباح اليوم التالي الوقت المسموح للخروج ، ذهبنا للمستشفى أعطوني مسكن وأكسجين ورجعت الى البيت نمت وقتها الى اليوم الثاني ، تقريبا أتصلت بشقيقتي في اليوم الثالث من وفاته وانا لا أعلم ماذا اقول لها غير عظم الله أجرك والله يرحمه ثم أغلقت وبقيت صامتة لا أيام .

هل تعلم لماذا ساء وضعي وقت تلقي خبر وفاته ، أولًا لانه لم يمهد لي ابداً وقد نسي وضعي الصحي ، ثانياً منذو وفاة والدي لم أتلقى خبر وفاة آخر والحمدلله فأصبحت عندما أسمع خبر وفاة شخص قريب لنا أتذكر وفاة والدي وتسوء حالتي اكثر الصحية والنفسية لأيام ولا أستطيع حتى حضور العزاء وان كان المتوفى قريب لعائلتي وبعدها أعود لحياتي الطبيعية وهكذا ، الصورة الذهنية لجميع تفاصيل وفاة والدي مازلت موجودة بخيالي ومخزنها بصورة واضحة ودقيقة لدرجة لو أستطيع أقتلاعها لفعلت ، ورغم انني خزنت صور وذكريات جميلة بعدها الا أنها موجودة وحتى بعد مرور سنة على وفاته ، أذكر مرة هاجمني الأعصار بعنف بعد أن رجعت من البحر كاد يقتلني ولكن الله نجاني ولا أعلم السبب وقد أعتاد زوجي كما هاجمني ولا أستطيع تحمله نذهب الى طوارئ مستشفى قريب من بيتي ، وهناك يعطوني إبرة وريد ومغذي وأكسجين لانه وقت هجوم يضيق تنفسي ويسبب ضغط على عيني الأثنين وبالقوة أستطيع فتحهما ، هنا دكتور في الطوارئ أخبر زوجي عندما علم بقوة هذا الصداع بانه توجد دكتورة باطنية كبيرة وقديمة في نفس المستشفى ولديها خبرة في ذلك الالم الذي يهاجمني وطلب منه أخذ موعد معها .

الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه .

للقصة بقية لنا لقاء في الغد بإذن الله .

إعصار في رأسي

الجزء السابع والعشرون

أخبرت زوجي عن حالتي النفسية وأني لن أستطيع تخطي هذه المأساة وحدي ولا أي شخص حولي يستطيع ذلك ، وقتها قلبت دوامي صباحاً ليتسنى لي الذهاب في المساء ، بحثت كثيراً عن مختص او معالجة نفسية وبعد بحث مطول وجدت واحدة وحجزت عندها ، في اليوم التالي عند خروجي من الدوم ذهبت للموعد وبالطريق فكرت ماذا سأقول لها وكيف أشرح الوضع ومن أين أبدا الى ان وصلت للعيادة وتلك الاسئلة في ذهني لم تتوقف ، صعدت وانا أشعر برهبة قليلاً والحمدلله لم أنتظر طويلاً دخلت على الموعد الساعة السادسة الا ربع ، دخلت الى عندها وجلست بهدوء وهيا تسألني كيف هو وضعي وماهي مشكلتي ؟ كان صوتها مريح ومبتسمة من غير ماأفكر قلت لها توفى أبي وانا متعلقة جداً به حاولت التخطي لكن فشلت لمدة أربع شهور ، قالت لابأس حجزتي في الوقت المناسب قبل أن يصيبك بداية اكتئاب وقتها قد تصعب المعالجة وتكون أطول ، ثم طلبت مني وصف حالتي بالضبط ، شرحت لها وضعي بالتفاصيل وكانت تكتب في دفتر أمامها بعض الملاحظات .

سألتني عن أمراضي واخبرتها لدي صدع نصفي كافر ووصفت لها جزء من هذا الالم باختصار هو أعصار مدمر يصيب نصف راسي اليمين وباقي وجهي ، ثم سألتني عن هواياتي وطبيعة عملي وشغفي الذي يسعدني ، أخبرتها انني كنت محافظة على الرياضة وأحب الرسم والتلوين وقراءة الكتب والاطلاع وشغفي الازياء والموضة بكل مافيها وعملي مصممة ازياء وأستايلست وحاليا أشتغل بمعرض لبيع ازياء السهرة الجاهزة ، ولكن بعد وفاته توقفت عن جميع ماسبق وأشتغلت بغاية التناسي والانشغال عن التفكير في فقده ، طلبت مني أن أفرغ مشاعر الفقد كلها على الورق يومياً وأخصص ساعة او ساعتين بيومي للبكاء ليه ورؤية اغراضه الشخصية التي أحتفظت بها عندي او صوره وسماع صوته ثم بعد ذلك وضعها في صندوق واحد وأغلق عليها في تلك الغرفة ، وحتى لو كان زوجي موجود أخبره أن لايقاطعني مهما صار ومهما سمع ولايفتح باب تلك الغرفة ، وقتها اخترت الصالون لانه نادراً ما أدخله باستثناء وقت تنظيفة مرة في الاسبوع ، وأن ارجع لهواية واحدة على الاقل ولو لمدة نصف ساعة أنشغل بها ، وأرسم جدول وكل يوم أكتب فيه ماذا فعلت وماذا صار به .

وفي زيارتي القادمة أحضر معي هذا الدفتر ودعتها وودعتني بإبتسامة وخرجت مرتاحة نوعاً ما ، أخبرتني ان طريقتي في التخطي زادتني سوء كيف سأتخطى وانا اضع جواله بالشاحن كل ما أنتهيت البطارية ومحفظته بحقيبة يدي وسبحته المفضلة بيدي كل يوم وانا بالدوام أو في أي مكان ، وثوبه المفضل معلق بين ملابسي ، وكنزته الصوفيه بين ملابسي ، وصورته معلقة بحائط غرفة المعيشة التي أقضي فيها أغلب وقتي فيها ، وفوق هذا كله أتظاهر بأني لست حزينة وقوية أمام زوجي وأمي وبقية أهلي ، صحيح أنا قوية ولكن اذا شعرتي بالبكاء ابكي حتى وانت بينهم ، كانت حياتي ليس فيها مرونة كافية حتى في الحزن ، وقتها تعلمت المرونة وأصبحت جزء من حياتي لن أكون صلبة وقوية أغلب الوقت واذا شعرت بالضعف عادي أضعف ايام وانعزل بها ولا اتحدث مع احد ، والحياة بطبيعتها مرات تكون فيها فوق ومزاجك الي وتستطيع ان تقف بثبات ومرات تنزل تحت وتكون طاقتك أضعف ولاتريد تحمل شي ء، مرات ايجابي واوقات سلبي هذه تقلبات الحياة الطبيعية الثبات طول الوقت ليس طبيعي والتظاهر بالقوة وداخلك هش ومكسور ليس طبيعي ايضا، ، اعطاء كل مرحلة من حياتك وقتها وتقبلها أفضل للتعافي نفسياً وصحياً ايضاً ، انت حزين ابكي واصرخ اذا أردت وأقلب الدنيا واذا تفضل الصمت أصمت واذا تريد تكون في عزلة فترة لا بأس ومفيد ، فضفض لخالقك وأدعوه كثيراً ابكي كثر ماتشاء لكن بعدها أنهض وأغتسل وأقبل على الحياة من جديد ، واذا احتجت مساعدة طبية لاتتردد ابدا.

بصراحة وقتها شعرت انني منهكة من المكابرة ومتعبة من تصنع القوة وداخلي ينهار وحلقي مجروح من كثر الغصات التي بلعتها وانا وسطهم ، وقلبي مازل ينزف لاربع أشهر ولكن مستمر بالنبض يومياً ، على كثرة اطلاعي وبحثي عن كيفية تخطي الوفاة والفقد والحزن لكن فشلت ، شعوري المتزايد بالخوف كان يزداد يومياً هل تعلم لماذا ؟ لإني كنت أعتقد الأمان هو وجود والدي حولي ومنذو فقدته فقدت هذا الامان حتى وانا وسط عائلتي أشعر بالغربة ونسيت ان الأمان هو الله وهو الملجأ والسند والملاذ ، في تلك الفترة يصيبني الصداع النصفي ولكن ليس بصورة عنيفة كنت أستغرب أحياناً وأقول بنفسي والطبيب قال لي مرة صداعك متعلق بنفسيتك ومزاجك وخوفك ايضاً ، وانا الآن أمر في أسوء فترة من حياتي وداخلي حداد وحين أرى عين أمي الحزينة وهيا صامته ينحرق داخلي ، وانا نفس تلك الانسانة قالباً ولكن داخلي قد تغير لدرجة لا أعرفني جيداً ، كل هذا والصداع الحمدلله درجته متوسطة اين صحة كلام الطبيب ولا هو كلام أطباء وبس ، الحمدلله لان الله رحيم معي ولطيف ويعلم بوضعي كله يرى داخلي المهزوز ويسمع صوتي المرتجف ويشعر بقلبي الضعيف ويعلم محاولاتي الفاشلة للتخطي كلها ويعلم حروبي التي أخوضها من اربع سنوات مع هذا الاعصار وتلك السنة الخامسة تزوجت بها وتوفى أبي ، لكن يعلم ان تلك الصدمة تكفي لوحدها ولا اتحمل هجوم هذا الاعصار العنيف كما كان في السابق ، وقتها ايضاً فرحت وقلت الحمدلله شكل هذا الصداع سيختفي من حياتي تدريجياً .

الحمدلله

للقصة بقية لنا لقاء في الغد بإذن الله ..

إعصار في رأسي

الجزء السادس والعشرون

اصعب حاجة في الحياة توديع ميت الى مثواه الاخير وطبع قبلة على جبينه لآخر مرة في الحياة ، توديعه وانت تعلم انك لن تراه مرة آخرى ماحييت الا في أحلامك ، أو مقابلته في الجنة بعد عمراً طويل اذا ربي كتب لنا هذا اللقاء ، يالله وقتها ليس روحي فقط ليست داخلي وانما اشعر ان تنفسي ضاق علي ونبض قلبي اصبح أضعف لدرجة توقعت ان يتوقف قلبي وانتقل معه الى السماء ، لا اعلم كيف تحملت هذا الوداع ولا منظر ذلك الشخص المتشح بالبياض أمامي أو صراخ عائلتي وجنودهم وقتها ، لكن شعرت ان الله معي في تلك الاوقات الصعبة جميعها هو وحده من جعلني ثابتة وصامدة الى أن رأيته ، آه ليتك تعلم يا أبي انه حين انحنيت لأطبع تلك القبلة الأخيرة على جبينك الطاهر أنكسر قلبي بعد أن انكسر ظهري حين سمعت خبر موتك الذي نزل كا الصاعقة التي ضربت رأسي بعنف وجعلت قلبي ينزف ، رحمك الله يا أول رجل بحياتي وأعظم معلم رأيته بحياتي .

كنت في شبة غيبوبة بعد رؤيته الى اذان العشا وقد اصبحت أهدا ولكن داخلي بركان ينفث حمماً تحرقني ولاترحمني ، مرت أيام العزاء بعدها وأنا ثابتة صابرة لا يرى الناس مني حتى دموعي ولم ابكي بعدها ابداً ، وانا من الشخصيات التي لا اعرف البكاء امام الناس بل علمني هو الوقوف بقوة حتى في أشد الاوقات وأصعبها وكأنه يجهزني لهذا اليوم ويخبرني ان أستعد ولكن وقتها لم انتبه لهذا الا بعد فقدانه ، صامتة اغلب تلك الايام صحيح انني وسط اهلي واقربائي ولكن انا في عالم ثاني عالم ابحرت فيه روحي وبقيت فيه لوحدي لا اعلم كيف جاء هذا الثبات ولم يصيبني الاعصار ويهزمني المرض ولكن الله معي ولطيف على حالي فمنعه عني لان صدمة واحدة تكفي .

مر شهران على وفاته والاعصار قد نساني ولله الحمد لدرجة شعرت انني بخير ولكن كنت احتاج لشيء ما يشغلني عن التفكير به أتعبني جداً ، قدمت وقتها على وظيفة وقبلوني رغم ان زوجي قال : ماذا لو رجع هذا المرض لك وانت في الدوام ماذا ستفعلين ؟ قلت له : انت لمدة نصف يوم لا تكون في البيت وانا قد مللت أخاف لو جلست اكثر مع هذا الحزن افقد عقلي والله ، دوامت واخبرتهم في المقابلة عن وضعي الصحي ووضع يدي أحياناً مع الضغط واستخدام الاجهزة بكثرة تؤلمني لدرجة اتوقف كم يوم ولا اعمل بها شيء ولكن وافقو ، توكلت على الله رغبة في الانشغال والنسيان والتلاهي عن ذلك الفقد وليس في المال ابداً ، رضيت بها رغم ان راتبي كان زهيد مقابل شغلي ومسؤوليتي التي اقدمها لهم ، رضيت بها لعلي اتناسى ولم اكن اعلم ان ما امر به اكبر من هذا كله ولاينفع فيه الانشغال.

كنت اتعب واتحرك في الدوام بكثرة لارجع الى المنزل قتيلة من كثر التعب وانام ولا افكر بشيء ، كنت الايام الاولى شاردة الدهن وقليلة الكلام ولا اتجاوب مع باقي الموظفات الى ان مرت ثلاثة اسابيع نادني مدير المعرض ، قائلاً انت مجتهدة بالعمل ولكن صديقاتك يخبروني انك كثيرة السرحان ولا تتفاعلي مع الزباين هل بك شيء ، قلت أبي توفي قبل شهرين وانا كنت أبنة أبي والاكيد تعرف معناها دون ان اخبرك به باختصار وكنت ابحث عن وظيفة لعلي أتناسى قليلا ، وانتم قبلتم بي لخبرتي الكبيرة في اخر اخبار موضة ازياء السهرة وانواع الاقمشة والموديلات التي تناسب الاجسام حسب أشكالها المختلفة صحيح ، قال نعم رحم الله والدك ونحن ايضاً بحاجة لموظفة يعتمد عليها وانا متأكد انك ستكوني هذا الشخص ومع الايام ستصبحين افضل ، وأجبته ان شاء الله بحاول والباقي على الله .

مع مرور شهرين لي في الدوام اصبحت مركزة في الشغل اكثر وموظفة فعالة ونشيطة ولله الحمد ، واصبح لوفاة والدي أربع اشهر ولكن لم يتغير في داخلي شيء واشعر ان عمري توقف عند تلك اللحظة التي مات بها ، وصلت لدرجة اثناء تواجدي بالمنزل اطبخ او اشاهد التلفاز ابكي بكاء مو طبيعي واكلم نفسي بصوت عالي ، واذا رجع زوجي من الدوام سكت ومسحت دموعي ولا اخبره عن وضعي ابدا بحكم مقولة شقيقتي الاكبر انت لسه عروس مالك فترة انتبهي يراك زوجك تعيسة او بهندام غير مرتب او لست متزينة او تبكي طوال الوقت

وانا من قلة خبرتي في الحياة و عايشة معاه اربع شهور فقط لم اكن اعرفه جيداً في كل الامور ونصف ساعاته يومه في الدوام ، كلها ماساعدتني افهمه اكثر ايام الملكة لاتعتبر مقياس لأعرفه جيداً ابداً ، صدقتها وكانت كل ماتتصل بي تعيد علي نفس الكلام لمعرفتها بي وبعلاقتي في أبي رحمه الله ، واذا ذهبت لزيارة أهلي تخبرني ايضاً شقيقتي نفس الكلام ولانهم يروني قوية كنت لا ابكي امامهم الا نادراً مرة ، كنت اشعر بداخلي انهم يستمدون قوتهم مني فكيف أخبرهم بحزني أو يروني ضعيفة لطالما شعرت بهذا الاحساس وانا معهم ، لذا لم يكن لي مكان ابكي فيه براحتي وقررت الانشغال بوظيفة لعلها تساعدني على التشافي من حجم حزني ومعاناتي من هذا الفقد ، جربت الكثير للتخطي ولكن هيهات يانفسي بأت كل محاولاتي بالفشل ، احيانا كنت أصحو من نومي باكية واحيان اصرخ واكلم نفسي وانا نائمة ، اشعر انه اصبح فراغ في مكان ما داخل قلبي يؤلمني ان ان شكيت اني احتاج طبيب قلب قبل مختص ليساعدني على التخطي .

الحمدلله كثيراً

للقصة بقية لنا لقاء في الغد بإذن الله …

إعصار في رأسي

الجزء الخامس والعشرون

أشرقت الأرض بنورها في ذلك الصباح ولكن نور عيني انطفئ لأول مرة صباحي يتيم ، لا أعلم كيف نهضت ورتبت ثيابي في الحقيبة وزوجي يساعدني كأني كنت جسد بلى روح ، في السابعة والنصف خرجنا من المنزل وكل شيء كان سريعاً عكس ساعات الليل الطويلة ، اليوم خميس والناس مبتهجة لان بعده إجازة الشارع زحمة والطرقات تضيق وكأنها تضيق داخل أضلعي مما تجعلني أتنفس بصعوبة ، لوهلة شعرت أن داخلي يود أن يصرخ بصوت عالٍ جداً واقول أبي قد مات وأنا ذاهبة لرؤيته وكأن روحي انتزعت من داخلي أصرخ وأصرخ الى مالانهاية ، أول فقد بحياتي وأعظم فقد وأشد خبر وقع على أذني وأبشع أحساس شعرت به وأنا صامتة ، شعرت كأن ظهري قد أنكسر ولم أعد أستطيع الجلوس مرة آخرى الا بصعوبة ومازلت أحاول .

الدنيا أمامي مشرقة والحركة لاتتوقف وأنا توقف داخلي واصبح ظلام دامس ، كيف يالله تصبح الدنيا سوداء لوفاته ونحن صباحاً ؟ هل جننت ؟ أو لشدة تعلقي لا أفقهه شيء من مايحصل داخلي ؟ أذكر وقتها توقف زوجي لشراء عصير بارد لعله يهدئني من محل قريب من بيتنا وقبل أن ينزل أغلق السيارة بأحكام وتوقف بطريقة تجعل المحل أمامي مباشرة ليراني جيداً وهو هناك ، أراه يدخل وطلب وهو يراقبني هل فتحت الباب ونزلت لأصرخ أو لأشرد الى مكان لايوجد به أحد ، هل أعتقد أنني وقتها أصبت بالجنون ؟ أو يحسب أنني لا انتبه لكل مايفعله ولكن أشعر ان عقلي فاصل وصعدت بمكان ما بين السماء والأرض كأني معلقة أره وأراهم جميعاً لكن لا أريد التحدث ، لا أعلم ممكن كنت بمرحلة الأنكار التي قرأت عنها فيما بعد ، مد يده بالعصير قائلاً: أشربي لو قليلاً انت لم تأكلي شيء من أمس وأنا لم أحرك ساكناً صامته كأني فقدت الاحساس دفعه واحدة .

مشينا مسافة ورجع يكلمني أشربي العصير ليس كله بل قليلاً منه ، مددت يدي أخذته وشربت رشفة منه كان عصير ليمون بالنعناع لا أنساه من حزني رأيته اسوء عصير وللآن مازلت تلك الذكرى بداخلي ومازل طعم هذا العصير بفمي كلما مررت من أمام المحل أفتكرته ،

وصلت الى منزل عائلتي الكبير وما أن عرفت أمي بقدومي أصبحت تنادي تعالي يا أبنتي تعالي عندي شعرت بالخوف في صوتها المرتجف الخوف من فقدها لأمانها وسندها بالحياة وصديق دربها والخوف من أن يهزمني هذا الاعصار براسي ويقتلني مرة واحدة ، كانت تعلم تعلقي وجنوني وحبي له ، لاول مرة ادخل بيتنا بالصعوبة وكأني احمل اثقالاً داخلي وقفت بالصالة الواسعة اتأمل مكانه وأسمع صوته يتردد داخل أذني لعلي أصحى من ذلك الحلم وأجده يضحك أمامي ، رأيت بعض أخواتي يبكون وأمي صامته وأنا ايضاً لم أتفوه بكلمة أحتضنتها ودموعي تتساقط بلى بكاء ونواح ووضعت رأسي على أقدامها وتمددت في هدوء أمسح وجهي بيدي .

في عصر ذلك اليوم وقد أمتلئ البيت باالأهل والجيران والاقارب وآخرين لا أعرفهم ، اذا بي أسمع صراخاً أقشعر له بدني وظننت ان احدى شقيقاتي لكن سمعت من يقول قد أحضروا أبوك ، نهضت من مقعدي وأنا لا أعلم ماذا أفعل هل أخرج الى الحوش لاراه أو لا كنت خائفة لأول مرة بحياتي أرى جثة شخص متوفى ، ياربي كُن معي اسير بصعوبة ذاهبة الى حيث تجمع أخواتي من كثرتهم أنا لا أراه ،نحن عائلة كبيرة تسعة أخواتي من أبي وشقيقاتي أربعة وأنا الخامسة وأشقائي أربع وأخ غير شقيق توفى منذو سنوات وبرضو لي شقيقة توفت قبل أن أولد وأخت ايضاً رحمهم الله جميعاً واسكنهم جنات النعيم ، تقدمت بهدوء ارى بعض أشقائي وعمي وابنائه واقتربت اكثر واذا بشقيقي يقول ارجعي لماذا خرجتي نظرت اليه بغضب وصرخت فيه باكية سأرى أبي ،

كان خائف أن يحصل شيء لي ولكن لايعلمون ان الله معي يقويني ويسندني ، صرخت في أخواتي قائلة أبعدو أريد أن اراه ! رأيت جسد والدي ممدد على خشبة طويلة وقد لفوه بقماش أبيض بالكامل لا أرى الا وجهه وكأن أبي قد طال أكثر من قبل ، صحيح كان أبي طويلاً لكن رأيته أطول ولا أعرف يقولون الميت يتمدد جسده ، كأنه مبتسم أو يتهيألي لا اعلم وقتها ماذا رأيت بس يشبه الشخص النايم ، جثوت على ركبتاي عند رأسه أقبل جبينه قبلة الوداع ودموعي تتساقط عليه وبسرعة سحبني شقيقي وزاد صراخ أخواتي وأنا أبكي أتوسل له أريد أن أكلمه قليلاً ، بعدها لا أعلم ماحدث لكن رأيتهم يرفعونه على أكتافهم وهناك من يدخلني للمنزل بالقوة أسمع صوت أمي تنادي بأسمي ، جلست عند أقدامها أبكي بجنون أكثر من قبل قائله يا أمي أريد أن اكلمه كلمة واحدة وأرفس كل من يجلس أمامي ، الى أن جاءت احدى شقيقاتي تحتضني وتريد أن تدخلني الى غرفة آخرى وانا من كثر ما رفستها انقطع بنطالها من فوق الى تحت ، لا اذكر هنا بصورة واضحة تبدو مشوشة جداً ولكن أخبرتني فيما بعد .

الحمدلله كثيراً

للقصة بقية لنا لقاء غداً بإذن الله …

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ